إنما كان العجب أنها صبرت عليه كل تلك القرون التي صارت - فيما بعد تمردها - تسميها"القرون الوسطى المظلمة"!
ولكن الواقع التاريخي يقول إنها لم تبدأ تمردها على ذلك الدين إلا بعد احتكاكها بالمسلمين، وبصفة خاصة بعد هزيمتها في الحروب الصليبية ..
عنئذ بدأت أوربا تحس بمقدار الظلام الذي عاشت فيه كل تلك القرون، وبدات تتوق للخلاص الحقيقي من أوهاق الكنيسة وطغيانها، وبدأت تهفو إلى الإسلام بتأثير"الغزو الفكري الإسلامي"الوافد إلى أوربا من الشرق والغرب والجنوب، مع حركة الترجمة بصفة خاصة ..
وهنا جن جنون الكنيسة - كما ألمحنا من قبل - وقامت تحارب التأثير الإسلامي بكل الوسائل، وكان من بين تلك الوسائل تكليف الكنيسة لكتابها ومفكريها أن يشوهوا صورة الإسلام والمسلمين في عيون الأوربيين لينفروهم من الدخول في الإسلام، وتوجيه أقبح الشتائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ونفي الرسالة والوحي عنه، وتصوير الإسلام بأنه دين شهواني فظ غليظ عدواني سفاك للدماء .. كما كان من بين تلك الوسائل أيضا محاكم التفتيش!
وحينئذ وقعت أوربا في المأزق الذي تعاني آثاره حتى اليوم، حين نفرت من دينها المحرف، ومن الحكومة"الثيوقراطية"- حكومة رجال الدين - وأوصد الباب أمامها في الوقت ذاته إلى الدين الصحيح ..
وكانت"العلمانية"، بما تشتمل عليه من إبعادٍ للدين عن الهيمنة على واقع الحياة، وعزله عن النفوذ السياسي بصفة خاصة، وتقرير حق الإلحاد، والمنافحة عنه، وحق مهاجمة الدين ومفاهيمه لمن أراد ذلك .. كانت العلمانية - بهذه الصفات - هي سبيل الخلاص - في نظر أوربا - من ربقة ذلك الدين، الذي يمثل في حسها الظلام والأغلال التي تسحق وجود الإنسان!