دين يهمل الحياة الدنيا بدعوى تفاهتها وحقارتها وعدم جدارتها بالاهتمام، وبدعوى أن الإنسان خاطئ بطبعه، ولا سبيل إلى إصلاحه في الحياة الدنيا وكفه عن الخطيئة إلا بكفه عن ممارسة الحياة ذاتها - بالرهبانية - وتوجيه اهتمامه كله للآخرة، والإيمان"بالمخلّص"، لأن هذا وحده - لا العمل الصالح في الدنيا - هو سبيل الخلاص والجلوس عن يمين الرب في جنة الفردوس في اليوم الآخر.
دين يحتقر الجسد ويشمئز من نشاطه الفطري، لأن هذا النشاط هو الذي يوقع الناس في الخطيئة، وما دفع إلى الخطيئة فهو ذاته خطيئة! وعلاجه الوحيد هو الكبت والقهر [1] .
دين يحقّر الإنسان ليمجد الرب .. كأنما لا يتحقق تمجيد الرب إلا بتحقير الإنسان ... وذلك بدعوى ان الإنسان إذا اتجه لتحقيق وجوده تمرد على الرب، فلا بد من سحقه وإذلاله وتحقيره لكي يتمجد الرب في قلبه، فيحصل على الخلاص! [2] .
دين يصرف الناس عن عمارة الأرض، وعن ترقية الحياة وتنميتها، بدعوى أن ذلك سيصرف الناس عن التوجه إلى الآخرة، وسيحرك شهواتهم التي لا بد أن تكبت، ومن ثم يوقعهم في الخطيئة الواقفة للإنسان بالمرصاد!
دين يحارب العلم، بسبب جهل البابوات ورجال الدين، وعدم اهتمام غالبيتهم بتثقيف أنفسهم، واكتفائهم بسلطانهم الروحي على الجماهير، وانكبابهم على"الكتاب المقدس"بكل ما فيه من تحريف، على اعتبار أنه يحوي كل العلم المطلوب للإنسان في دنياه من أجل الخلاص في الآخرة!
دين لا يؤمن بالحركة النامية لأنه يؤمن بالثبات المطلق في كل شيء، ويعتبر أي تغيير في الصورة خروجًا على الأصل الثابت الذي ينبغي أن تكون عليه الأشياء، لأنها وجدت على هذه الصورة بإرادة الله، فينبغي أن تبقى كذلك تمجيدًا لإرادة الله، وزجرا للإنسان - في تفاهته وحقارته - أن يتمرد على إرادة الله!
دين يحجر على العقل أن يفكر، بدعوى أنه حين يفكر يزيغ! ولا سبيل إلى منعه عن الزيغ إلا بمنعه عن التفكير! ويكفي الأمة أن ينوب عنها الآباء (البابوات) في كل شيء. هم يفكرون لها، وهم يفسرون لها، وهم يعطونها الإجابة الصحيحة عن كل ما يخطر لها، لا بعلم حقيقي، ولكن بأنهم نواب بطرس وخلفاؤه، وبطرس مفوض من الرب - أي عيسى ابن مريم عليه السلام في زعمهم، ونستغفر الله من الشرك - وما يربطه في الأرض لا يحل في السماء، وما يحله في الأرض لا يربط في السماء! فهم بهذه الخلافة يتحدثون باسم الرب، وكلامهم له صفة القداسة بذلك التفويض الإلهي، وهم كذلك معصومون لأنهم خلفاء خليفة الرب .. فلا بد أن يكون قولهم هو الصواب!
دين لا يشعر الناس في ظله بالأمن .. فهم مهددون في داخل أنفسهم بالشعور الدائم بالخطيئة أو الخوف من الوقوع فيها، ومهددون من خارج أنفسهم بسلطان الكنيسة الطاغي التي لا تكتفي - في محاسبتها للناس ورقابتها عليهم - بما يظهر منهم بالفعل، بل بما يحتمل أن يظهر منهم في يوم من الأيام .. فتبدأ بسوء الظن، وتثنىّ بالملاحقة المستمرة برغبة مسبقة أن تعثر على ما يدين الناس ويوقعهم تحت طائلة العقاب .. ويا له من عقاب ذلك الذي تقوم به محاكم التفتيش!
ليس العجب أن تنفر أوربا من ذلك الدين وتتمرد عليه ..
(1) الكبت شيء والامتناع الإرادي شيء آخر (انظر إن شئت كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام ص 73 - 91) فالكبت هو استقذار الدافع الغريزي في ذاته وعدم الاعتراف له بشرعية الوجود، سواء مارسه الإنسان في الواقع أم لم يمارسه. أما الامتناع الإرادي فلا يلزم منه الاستقذار."
(2) لاحظ حرص الرهبانية والصوفية كلتيهما على إذلال كيان الإنسان لتخليصه من الإحساس بذاته لكي يَخْلُصَ لله!