الصفحة 10 من 59

"ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه. بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه." [1] .

"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .." [2] .

ولكن المسلمين لم يفهموا من ذلك أنها دعوة لإهمال الحياة الدنيا من أجل الفوز بالآخرة، ولا دعوة لكبت نشاط الجسد الحيوي من أجل خلاص الروح .. ذلك أن تعليمات الكتاب والسنة منعت ذلك الفهم الجانح:

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [3] .

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا .. ) [4] .

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. ) [5] .

"ألا إني لأعبدكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [6] .

".. وإن في بضع أحدكم لأجرا. قالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليأتي شهوته ثم يكون له أجر؟! قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فإذ وضعها في حلال فله عليها أجر" [7] .

لذلك لم تنقلب الدعوة إلى الزهد في متاع الأرض إلى رهبانية منعزلة عن الحياة كالتي ابتدعها النصارى:

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [8] .

إنما كانت توازنا جميلا رائعا بين مطالب الجسد ومطالب الروح، وبين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة.

كذلك لم يدر في خلد المسلمين قط أن الدين يدعوهم إلى قبول الظلم في الحياة الدنيا، والرضى به طمعا في الفوز بالفردوس في الآخرة، كما زعمت الكنيسة وهي تعبّد الشعوب الأوربية للإقطاع، وتحضها على الاستكانة له وعدم التمرد عليه، بدعوى أن"من خدم سيدين في الدنيا خير ممن خدم سيدًا واحدًا!".. ذلك أن الله حرم الاستكانة للظلم على من يقدرون على دفعه وأمر بالجهاد لإزالته:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [9] .

(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [10] .

ومهما يكن من أمر ٍ فقد تحول الدين النصراني على يد الكنيسة وآبائها ومفكريها إلى أغلال تفسد الحياة وتقعد بها عن النمو السويّ، وتحولها إلى مستنقع آسن لا ينبض بالحياة ولا يسمح للحياة أن تنبض فيه.

(1) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

(2) متفق عليه.

(3) سورة الأعراف [32] .

(4) سورة القصص [77] .

(5) سورة هود [61] .

(6) أخرجه الشيخان.

(7) أخرجه مسلم.

(8) سورة الحديد [27] .

(9) سورة النساء [97 - 99] .

(10) سورة النساء [75] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت