ثم لما زاد تشكك النصارى في سلامة العقيدة التي تلزمهم بها الكنيسة، وتحجر عليهم التفكير في شأنها تحت شعار:"آمن ولا تناقش"، وزاد تمرد"المفكرين الأحرار" [1] على سلطان الكنيسة الطاغي، ابتدعت الكنيسة آخر ما رمت به الناس من فنون الاضطهاد، وهو محاكم التفتيش، بكل بشاعاتها التي تقشعر لها الأبدان.
يقول"ويلز":
"شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي محكمة التفتيش البابوية ... وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب .. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار. فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوربا ليراقبوا أجسام أعدائها - وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم - تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة. وتحترق وتخمد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية، فتصبح رمادا تذروه الرياح" [2] .
لم يكن ذلك كل ما فعلته الكنيسة في تنفير الناس من ذلك الدين ..
فقد انقلب الدين على يد الكنيسة إلى عامل معوّق عن الحياة، مضاد للعلم والحضارة والتقدم والرقي، محقّر للإنسان ونزعاته الحيوية، مهملٍ للحياة الدنيا بوهم العمل على خلاص الروح، والتهيؤ لملكوت الله في الآخرة.
ينسب للمسيح عليه السلام أنه قال:"إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك فإنه خير لك أن يهلك منك عضو واحد من أن يلقى بدنك كله في النار"
وأنه قال:"من أراد الملكوت فليترك ماله وأهله وليتبعني".
وأنه قال:"من أراد الملكوت فليحمل صليبه وليتبعني" [3] .
وكلها دعوة للزهد في الحياة الدنيا والارتفاع عن الشهوات ..
وكلها لا يستبعد أن تصدر عن رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فضلا عن الرسول الذي أرسل إلى اليهود خاصة الذين كان حب الحياة الدنيا قد أعماهم عن الآخرة، وحب المال وعبادة الذهب قد أديا بهم إلى الكفر بالله.
ومثل هذه الدعوة تجدها في آيات الكتاب المبين، وفي أحاديث الرسول صلى الله عيه وسلم:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [4] .
(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [5] .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [6] .
(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [7] .
(1) كلمة Free Thinkers لا تعني"المفكر الحر"بالمعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا حين نقرأ هذه الكلمة، ولكنها مرادفة للإلحاد.
(2) ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، ج 3، ص 908 - 909.
(3) بمعنى فليوطن نفسه على ملاقاة الموت، فقد كانت طريقة الرومان في تنفيذ أحكام الإعدام هي التعليق على الصليب .. وليس المعنى حمل صليب من ذهب أو فضة كما يفعل بعض النصارى!!
(4) سورة آل عمران [185] .
(5) سورة التوبة [24] .
(6) سورة"المنافقون" [9] .
(7) سورة التغابن [15] .