إنما يمنع الناس من الطغيان شيء واحد من داخل نفوسهم، هو تقوى الله. أو شيء واحد من خارج نفوسهم هو الخوف من قوة أخرى مكافئة لقوتهم أو زائدة عليها! ولم يروا أحد من المؤرخين أن ضمائر"رجال الدين"كانت فوق مستوى الشبهات، بل رووا أن كثيرا منهم كانوا على عكس ذلك، فلما ملكوا السلطان السياسي فما الذي كان يمنعهم من الطغيان وهم يملكون من قبل ذلك السلطان الهائل على وجدان الناس؟!
فرضوا سلطانهم على الأباطرة .. وأصدر البابا"نقولا الأول"بيانا قال فيه:
"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما قد ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل. ولذلك فإن البابا - ممثل الله على ظهر الأرض - يجب أن تكون له السيادة والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاما كانوا أو محكومين" [1] .
وفرضوا لأنفسهم عشور أموال الناس، فضلا عن تشغيل الناس سخرة في حقول الكنيسة التي سرعان ما أصبحت في ظل وضعها الجديد من ذوات الإقطاع، وفضلا عن الإتاوات المفروضة على الأغنياء، والوصايا المأخوذة بسيف الحياء حين يستدعى"الكاهن"لكتابة الوصية قبل الموت!
ثم فرضوا سلطانًا فكريًا رهيبًا يحجر على العقول أن تفكر إلا بإذن الكنيسة، وفي الحدود التي تسمح بها الكنيسة! وقد كان هذا بالنسبة للكنيسة ضرورة لازمة منطقية مع التحريف الذي حدث في ذلك الدين! فالإله الواحد الذي أصبح ثلاثة، والثلاثة الذين هم في ذات الوقت واحد .. والعشاء الرباني الذي تتحول فيه كسرة الخبز إلى جسد المسيح، وجرعة الخمر التي تغمس فيها كسرة الخبز إلى دم المسيح وتتجدد به الصلة بين العبد والرب حين يأكل الإنسان جسد المسيح ويشرب من دمه! وكرسي الاعتراف الذي يصعد منه غفران"الكاهن"للذنوب إلى"الرب"فيعتمده في عليائه، وصك الغفران الذي يكتبه الكاهن في الأرض فيدخل به الإنسان الجنة في الآخرة بغير حساب .. إلى عشرات من أمثال تلك"الأسرار!"التي هي في حقيقتها أساطير .. كلها أمور لا يستطيع"العقل"أن يدركها ولا أن يتدبرها .. فماذا لو أعمل الناس عقولهم، فاكتشفت عقولهم أن كل ما يقال لهم باسم"العقيدة"كلام لا يثبت للتمحيص؟! ماذا يبقى للكنيسة عندئذ من سلطان على الناس؟! الحل الأمثل لهذه الحال إذن أن تحجر الكنيسة على العقل، وأن يعتبر التفكير هرطقة تفضي إلى إهدار الدم في الدنيا، والحرمان من الغفران في الآخرة!
ثم لما بدأت العلوم تتسرب إلى أوربا من العالم الإسلامي عن طريق الترجمة، وتحدث ما يمكن أن نسميه"غزوا فكريًا إسلاميًا"خاصة بعد هزيمة النصرانية أمام المسلمين في الحروب الصليبية [2] .. جن جنون الكنيسة ففرضت حجرا على"العلم"وأهدرت دم كل من يقول - يومئذ - بكروية الأرض، أو أنها ليست مركز الكون، وهو العلم الذي نقله علماء النصارى الأوائل من مؤلفات العلماء المسلمين! [3] .
(1) قصة الحضارة لول ديورانت ترجمة عبد العزيز جاويد، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، ج 14 ص 352.
(2) لا يعطَى هذا الأمر - وهو هزيمة النصارى النهائية في الحروب الصليبية - حقه من البحث فيما يكتبه المؤرخون حتى المسلمون منهم - لأننا في الغالب نرجع إلى المراجع الأوربية، وهم يكرهون أن يذكروا الحقائق المتعلقة بهزيمتهم، ومن بينها أن هذه الهزيمة قد هيأت نفوسهم لنقل الحضارة والعلوم الإسلامية والتأثر بها، وأن هذا كان بدء"النهضة الأوربية"!
(3) كان علماء المسلمين قد اهتدوا إلى هذه الحقائق منذ القرن الثالث الهجري - التاسع الميلادي - ولكن أوربا لم تتعرف عليها إلا بعد حركة الترجمة ابتداء من القرن الثاني عشر وما تلاه.