إن العبرة التي تستخلص من تاريخ هذه الأمة أنه حدث نقص هائل في التربية السياسية للأمة، ترتب عليه تفريطها في حقوقها التي كتبها الله لها في دينه المنزل، بل جعلها واجبًا عليها، وجعلها من مقتضيات لا إله إلا الله، وأن التربية السياسية على الأصول الإسلامية التي أقامتها الخلافة الراشدة لم تواكب التربية الروحية والفكرية والخلقية والجهادية التي ركز العلماء والمربون عليها أكثر من التربية السياسية حتى في فترات الازدهار، فضلا عن فترات الانحسار!
وليس العلاج لذلك هو فصل الدين عن الدولة، وإخراج السياسة من الدين!
فالأمة التي فرطت في دين الله وضماناته، لن تحرص على الضمانات التي تحملها الديمقراطية أو غيرها من نظم الحكم البشرية، ومن السذاجة المفرطة أن يظن أحد غير ذلك. فإنه لا يوجد نظام - بشري أو رباني - يحمل ضماناته بصورة آلية، إنما تعمل الضمانات من خلال البشر الذين يؤمنون بها، ويتربون على ممارستها في عالم الواقع، وعلى عدم التفريط فيها، حتى تصبح جزءًا من كيانهم الحيّ الذي يعيشون به ..
فإذا كان لا بد من التربية في كل حالة، سواء كان النظام المطلوب تطبيقه بشريًا أو ربانيا، وإذا كانت النظم - كل النظم - لا تؤتي ثمارها ولا تعطي ضماناتها إلا من خلال تلك التربية، فما الذي يجعلنا نبذل الجهود المضنية - إن بذلناها حقا! - في نظام لا يوافق عقيدتنا، ولا يرضي ربنا، ونخسر فيه آخرتنا، حتى لو فرضنا جدلا أننا نكسب فيه دنيانا، بينما نحن - لو قمنا بالتربية على النظام الحق - نملك خير الدنيا والآخرة .. والجهد المطلوب في التربية على النظام الحق هو ذات الجهد المطلوب للتربية على غيره، بينما الثمرة خلاف الثمرة، والمذاق غير المذاق؟!
إنها لحماقة لا يقدم عليها عاقل .. أن نتعب ونتعب ونتعب، في تجارة خاسرة في نهاية المطاف:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [1] .
بينما نحن نملك بذات الجهد أن نربح الكثير:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [2] .
(1) سورة البقرة [16] .
(2) سورة الصف [10 - 12] .