ويلزم نفسه أن تكون"تواقة"في تنفيذ مراحل خطته، بحيث كلما نفذت قسمًا منها ووصلت إلى نهايتها، تاقت - برغبة وهمة وجهد - إلى التي تليها، و هكذا يبقى"تواقًا"حتى يفارق هذه الدنيا.
وليقتد بامام الزاهدين - ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الكرام - وسيدهم الخليفة الزاهد"عمر بن عبد العزيز"- رضي الله عنه -.
وروى وزيره الناصح المخلص - رجاء بن حيوة - قال: كنت مع عمر بن عبد العزيز لما كان واليًا على المدينة، فأرسلني لأشتري له ثوبًا. فاشتريته له بخمسمائة درهم، فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه رخيص الثمن!
فلما صار خليفة للمسلمين، بعثني لأشتري له ثوبًا، فاشتريته له بخمسة دراهم! فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه غالي الثمن!
قال رجاء: فلما سمعت كلامه بكيت.
فقال لي عمر: ما يبكيك يا رجاء؟
قلت: تذكرت ثوبك قبل سنوات وما قلت عنه.
فكشف عمر - ذو النفس التواقة - لرجاء بن حيوة، سر هذا الموقف، وقال: يا رجاء: إن لي نفسًا تواقة، وما حققت شيئًا إلا تاقت لما هو أعلى منه. تاقت نفسي إلى الزواج من بنتي عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها. ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها. والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة، فأرجو أن أكون من أهلها"."
وهكذا أيها المسلم المجاهد. لتكن نفسك تواقة إلى الجنة، ولا تنشغل عن تلك الجنة بزخارف هذه الحياة الدنيا، ولا تتركها تشغلك عن هدفك، أو تفسد عليك وسيلتك، أو تحرمك من"توقك"وسعيك وجهدك.