الصفحة 14 من 44

سادسًا؛ أقوال العلماء في هذه المسألة

والآن - أخي القارئ - نسوق لك طائفة من أقوال العلماء في هذه المسألة ليتبين لك أن قولنا هو قول أئمة الهدى من أهل العلم.

1)من أقوال الحنفية:

قال الإمام أبو بكر الجصاص: (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان: حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته، ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله؛ وإزالته باليد تكون على وجوه منها: ألا يمكن إزالته إلا بالسيف وأن يأتي على نفس فاعل المنكر، فعليه أن يفعل ذلك كمن رأي رجلًا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ماله، أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك، وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو قاتله بما دون السلاح، فعليه أن يقتله لقول صلى الله عليه وسلم:(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده) فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضًا عليه )) (26) . أ. هـ.

2)من أقوال المالكية:

1)قال الإمام أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} (آل عمران: 104) : (( ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل وهو تغيير المنكر باليد وإنما يبدأ باللسان والبيان فإن لم يكن فباليد، يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه؛ بنزعه عنه وبجذبه منه، فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه وذلك إنما هو إلى السلطان؛ لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجًا إلى الفتنة وآيلًا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يقوى المنكر، مثل أن يرى عدوًا يقتل عدوًا فينزعه عنه ولا يستطيع ألا يدفعه ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه ولا يسلمه بحال وليخرج السلاح )) (27) .

ويلاحظ هنا قول الإمام أبو بكر بن العربي: (( فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه وذلك إنما هو إلى السلطان ) )ومعنى ذلك أن ما قبل ذلك من تغيير باليد من غير سلاح ليس محتاجًا إلى السلطان، ومع ذلك فقد استثنى الشيخ حالة يجوز فيها للآحاد استعمال السلاح وهي أن يقوى المنكر كأن يرى رجلًا يقتل آخر ويتحقق أنه لو تركه قتله فهنا يجوز له إشهار السلاح في تغيير هذا المنكر.

2)نقل النووي في شرح حديث: (من رأى منكم منكرًا) قولًا للقاضي عياض يقول فيه: (( هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل أو يريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره ... ) ) (28) .

وكلام القاضي عياض هنا يبين صفة التغيير أيًَّا كان المغير حاكمًا أو محكومًا فله أن يكسر آلات الباطل أو يريق المسكر أو ينزع المغصوب ويرده إلى أصحابه، فلم يفرق في ذلك بين الوالي والرعية.

3)وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الَّنَبِيِينَ بِغَيْرِ حَقٍ .... } (آل عمران: 21) : (( ولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه، إذا لم يكن صاحب المال قادرًا عليه ولا راضيًا به ) ) (29) . فانظر كيف عبر بقوله (زيد) وذلك يفيد أنه أي فرد ولا يشترط أن يكون الحاكم، هذا وقد مر بنا من قبل عند ذكر الإجماع ما نقله القرطبي رحمه الله من ذكر الإجماع على أن تغيير المنكر واجب على كل من قدر عليه باليد فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت