الفصل الأول؛ الأدلة القاطعة على أن تغيير المنكر باليد ليس مقصورًاعلى الحكام ... أولًا: من القرآن الكريم:
يقول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) .
فهذه الآية الكريمة نص قاطع في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي: (( في هذه الآية والتي بعدها وهي قوله سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ) ) (1) .
وقال الجصاص: (( قد حوت هذه الآية معنيين أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر: أنه فرض على الكفاية ... لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ .. } وحقيقته تقتضي البعض دون البعض، فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ) ) (2) .
وقال الحافظ ابن كثير: (( والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا علىكل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري(3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )) (4) .
قلت: قول ابن كثير رحمه الله: (( وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه ) )معناه بحسب قدرته، ويدل على ذلك استشهاده بحديث أبي سعيد الذي جعل مناط الأمر بالتغيير هو الاستطاعة.
وفي معنى هذه الآية آيات أُخر منها قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... } (آل عمران: 110) ، وقوله سبحانه وتعالى في نعت المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله جل جلاله: {الَّتَائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} (التوبة: 112) .
قال الجصاص بعد أن ذكر طائفة من هذه الآيات الكريمة: (( فهذه الآي ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي على منازل أولها تغييره باليد - إذا أمكن - فإن لم يمكن وكان في نفسه خائفًا على نفسه إذا أنكر بيده فعليه إنكاره بلسانه، فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه ) ) (5) أ. هـ.
والمقصود من ذلك أنه قد ثَبَتَ بهذه الآيات وغيرها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض على الكفاية، وهذا الحكم شامل لكل مراتب التغيير، ولا نعلم دليلًا واحدًا يخص الحكام بمرتبة من هذه المراتب، فمن ادعى شيئًا من ذلك فعليه الدليل.
(1) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 292) .
(2) أحكام القرآن للجصاص (2/ 29) .
(3) في تفسير ابن كثير عن أبي هريرة وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.
(4) تفسير القرآن العظيم (1/ 391) .
(5) أحكام القرآن للجصاص (2/ 30) .