ثانيًا؛ من السنة النبوية الشريفة
الحديث الأول:
عن طارق بن شهاب قال: (( أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )) (6) .
وقد دل هذا الحديث على أن لآحاد الرعية تغيير المنكر بأيديهم من وجوه:
الوجه الأول: قوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ) وهي من صيغ العموم، وذلك يعني أن الخطاب موجه إلى كل فرد من الأمة وليس إلى طائفة معينة منهم، وعلى من ادعى تخصيص طائفة معينة بشيء مما ورد في هذا الحديث أن يأتينا بالمخصص وأنى له ذلك؟
أما ما زعمه أحدهم من أنه لم يثبت أن أحدًا من القرون الثلاثة الأولى قد فعل ذلك من غير الولاة (7) فإنه منقوض بما سننقله فيما بعد من فعل الصحابة واستمرار عمل السلف على أن لآحاد الرعية أن يغيروا بأيديهم دون إذن من الولاة.
الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم (منكم) والقائل هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحاكم، والمخاطَبون بذلك هم الرعية فلو كان الذي يغير بيده هو الحاكم وحده فكيف خوطب الرعية بذلك؟!
الوجه الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم (فإن لم يستطع) وذلك يقتضي أن المخاطب بالأمر الأول هو عينه المخاطب بالأمر الثاني وهو عينه المخاطب بالأمر الثالث؛ فهو شخص واحد إن لم يستطع أن يُغير بيده فله أن ينتقل إلى البدل وهو التغيير باللسان فإن لم يستطع فله الانتقال إلى البدل وهو التغيير بالقلب.
وشبيه بهذا المعنى ما جاء في حديث الرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا ... ) (8) الحديث.
فالشخص شخص واحد، ولما وجده الرسول صلى الله عليه وسلم غير مستطيع للأمر الأول وهو العتق انتقل به إلى الأمر الثاني وهو الصيام، فلما وجده غير مستطيع لهذا أيضًا انتقل به إلى الأمر الثالث وهو الإطعام. وهكذا نقول هنا والله أعلم
الوجه الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم (فإن لم يستطع) أيضًا فلو كان التغيير باليد قاصرًا على الحاكم لما كان لقوله (فإن لم يستطع) معنى لأن الأصل في الحاكم أنه مستطيع التغيير باليد على كل حال.
الحديث الثاني:
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (9) .
وفي هذا الحديث أيضًا العموم في قوله (فمن جاهدهم) فهذا خطاب عام لا مخصص له، بل إنه نص في أن للرعية أن يغيروا منكرات الأمراء بأيديهم؛ فقد قال ابن رجب الحنبلي بعد أن ذكر الحديث السابق: (( جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز ) ) (10) .
الحديث الثالث: