لا بد أن أشير هنا إلى أن ما سقناه في الفصول السابقة من أدلة على جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، ومن ردود على شبهات المخالفين، إنما كان تنزلا إلى منطق قوم من حملة العلم الشرعي صدَّرهم النظام العلماني ليوهموا الناس أن الخلاف في هذه القضية إنما هو خلاف شرعي حول من له سلطة تغيير المنكر باليد، وليتم إغضاء الطرف عن أصل القضية ولُبِّها؛ وهو وجود سلطة حاكمة تُنحِّي شريعة الله عن الحكم بين الناس، وبالتالي تُلبِسُ كثيرًا من المنكرات ثوب الشرعية القانونية، ويُعَدُّ من حاول تغيرها خارجًا عن القانون مستحِقًا لأقصى العقوبات.
إن مشايخ النظم العلمانية ومن لفَّ لفهم في هذه القضية قد أخطؤوا خطأين كبيرين:
الخطأ الأول: عندما تبنوا رأيًا مخالفًا للأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة الذي انعقد - كما أسلفنا - على جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية.
والخطأ الثاني: عندما ألبسوا هذا الخلاف ثوبًا لا يليق به؛ فجعلوه خلافًا بين رعية مسلمة وسلطة مسلمة تحكم بالشرع، حول أحقية أي منهما بتغيير المنكر باليد!! وهذا غير صحيح فالسلطة الحاكمة لا تحتكم أصلًا إلى شرع الله عز وجل، بل تحتكم إلى أهواء البشر وعقولهم، والأمر عندنا واضح وضوح الشمس، فمن ترك شريعة الله واحتكم إلى غيرها فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى من يماري في ذلك أن يتدبر قول الله عز وجل: {فَلاَ وَرَبِكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ ويُسَلِمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65) .
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله حول هذه الآية: (( وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكراره أداة النفي والقسم ) ) (1) .
ولا عبرة بإبقاء بعض أحكام الزواج والطلاق ونحوهما مستمدة من أحكام الشريعة، فإن من شَرَعَ للناس ولو حكمًا واحدًا، فقد نازع الله صفة التشريع وهي من أخص صفاته سبحانه.
ولذا فإن الإمام ابن كثير قد حكم بكفر من تحاكم إلى الياسا التي وضعها جينكيز خان لأتباعه مع أن فيها ما هو مأخوذ من شريعة الإسلام، وذلك حيث يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 50) : (( ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ... ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جينكيز خان الذي وضع لهم الياسا؛ وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا مُتَّبعًا يُقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير ) ) (2) .
بل إن ابن كثير رحمه الله قد نقل الإجماع على كفر من تحاكم إلى الياسا حيث قال في البداية والنهاية: (( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) ) (3) .