الصفحة 42 من 44

ويعقب الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في عمدة التفسير على كلام ابن كثير الأسبق فيقول عن تلك القوانين الوضعية التي تسود بلاد المسلمين اليوم: (( إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس؛ هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنًا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها ) ) (4) .

ويقول رحمه الله: (( أَوَ يجوز لرجل مسلم أن يليَ القضاء في ظل هذا(الياسق العصري) وأن يعمل به ويُعْرِضَ عن شريعته البيَّنة؟ ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملةً وتفصيلًا ... ، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة )) (5) .

فإذا كان هذا حُكْم تولي القضاء في ظل هذه القوانين الوضعية، فكيف بمن شَرَعَ للناس تلك القوانين وأمرهم باتباعها، وكانت شرعية ولايته مستمدة منها؟! إن الأمر حينئذٍ يكون أكثر جلاءً ووضوحًا في أن كل حاكم نحَّى شريعة الله عز وجل وحمل الناس على التحاكم إلى غيرها، فولايته باطلة بطلانًا أصليًا أشد من بطلان ولاية القضاء في ظل القوانين الوضعية، والله أعلم.

وإذا كان الأمر بهذه المثابة، تبينت لنا خطورة الثاني من الخطأين اللذين أشرنا إليهما في صدر هذا الحديث، وأنه أشد بكثير من الخطأ الأول؛ ذلك أنهم بهذا الخطأ الثاني قد أضفوا صفة الشرعية على نُظُمٍ ساقطة الشرعية لكونها قد وضعت للناس شريعة غير شريعة الله سبحانه وتعالى، وحملتهم على التحاكم إليها واحترامها والرضى بها، وتلك مسألة - كما رأينا - في صلب العقيدة، وليست مجرد خلاف فقهي قد يَهون أمره.

إن ما نريد أن نؤكده هنا هو أنه بافتراض أننا نعيش في ظل نظام إسلامي يحتكم إلى شرع الله عز وجل فإنه يجوز لآحاد الرعية أن يغيروا المنكر بأيديهم، على ما بيناه من قبل، فكيف إذا ابتلينا بنظام هو - في حد ذاته - منكر يجب تغييره؟!

إن الأمر سيكون - حينئذٍ - غنيًَّا عن أي بيان ...

(1) رسالة تحكيم القوانين ص: 1.

(2) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (2/ 68) .

(3) البداية والنهاية لابن كثير (13/ 128) .

(4) عمدة التفسير (4/ 172) .

(5) المصدر السابق نفس الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت