بعد أن تحدثنا عن جواز التغيير باليد لآحاد الرعية، لابد أن نعلم أن هناك شروطًا لذلك، وقد استنبط العلماء هذه الشروط من نظراتهم في النصوص الشرعية وفي المقاصد العامة للشريعة، ونحن نبين في هذا الفصل أهم هذه الشروط وهي:
أولًا: أن يكون المنكر موجودًا في الحال:
فلا تغيير باليد لمنكر لم يقع بعد ولا لمنكر قد وقع وانتهى، وفي ذلك يقول أبو حامد الغزالي: (( المعصية لها ثلاثة أحوال: إحداها: أن تكون متصرمة فالعقوبة على ما تصرم منها حد، أو تعزير وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد، والثانية: أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها؛ كلبسه الحرير وإمساكه العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها، وذلك يثبت لآحاد الرعية، الثالثة: أن يكون المنكر متوقعًا كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع الرياحين لشرب الخمر وبعد لم يحضر الخمر، فهذا مشكوك فيه، إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح، فأما التعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد ولا للسلطان إلا إذا كانت تلك المعصية علمت منه بالعادة المستمرة ) ) (1) .
ثانيًا: أن يكون المنكر ظاهرًا من غير تجسس:
وذلك لعموم النصوص الناهية عن التجسس كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تجَسَّسُوا ... } (الحجرات: 12) .
وفي الحديث: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا إخوانا) (2) .
وعن زيد بن وهب قال: (أُتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (3) .
إلى غير ذلك من الأدلة القاضية بحرمة التجسس على المسلمين ولا يستثنى من ذلك إلا حالة الضرورة؛ كأن يتعين البحث والتجسس طريقًا لإنقاذ نفس من الهلاك،.
قال النووي في شرح مسلم: (( وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار، والضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه ) ) (4) .
ثالثًا: أن يلتزم الدرجات الشرعية التي ذكرها العلماء في التغيير:
فقد ذكر الغزالي - في الإحياء: (( أن درجات التغيير تبدأ بالتعريف؛ أي تعريف الفاعل للمنكر أن هذا منكر، ثم الوعظ اللين ثم السب والتعنيف بالقول ثم التغييرباليد؛ ككسر الملاهي وإراقة الخمر ثم التهديد والتخويف ثم مباشرة الضرب باليد والرجل ثم جمع الأعوان وشهر السلاح ) ) (5) .
وهذه الدرجات يمكن تقسيمها - كما يقول الأستاذ جلال الدين العمري - إلى نوعين: أحدهما الإصلاح بالوعظ، والآخر الإصلاح بالقوة على هذا الترتيب (6) والأصل في ذلك ما ورد في أمر الجهاد من البدء بالدعوة قبل القتال وكذا قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الْتِي تَبْغِي .... } (الحجرات: 9) ، فأمر بالإصلاح قبل القتال.