عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضى وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم، قال: لا ما صلوا) ، وفي رواية (إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمنكره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا) (11) .
فهذا الحديث يوضح أنه في حالة وجود أمراء تقع منهم المخالفات لشرع الله فإن سلامة المسلم في دينه تتحقق بالإنكار عليهم، والإنكار هنا عام يدخل فيه التغيير باليد واللسان والقلب. وإليك ما قاله الإمام النووي في شرح هذا الحديث لتعلم أننا لم نأت ببدع من القول، قال رحمه الله: (( فأما رواية من روى(فمن كره فقد برئ) فظاهرةٌ ومعناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ، وأما من روى (فمن عرف فقد برئ) فمعناه - والله أعلم - فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته، بأن يغير بيده وبلسانه، فإن عجز فليكرهه بقلبه )) (12) .
فيتبين من ذلك أن الرجل المسلم له أن يغير منكرات الأمراء بيده أو لسانه فإن عجز فبقلبه وإن كان المنكر عليه هو الأمير فهل يسوغ مع ذلك أن يُقال: إنه لا تغيير باليد إلا للأمراء والحكام؟!
الحديث الرابع:
عن عكرمة قال حدثنا ابن عباس: (أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها ... فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: أنشد رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هدر) (13) .
فهذا الحديث يدل على أن هذا الرجل وجد منكرًا وحاول أن يغيره باللسان والوعظ والنصح فلم تنته صاحبته، فما كان منه إلا أن غير بيده وكان التغيير باليد هنا هو استعمال السيف؛ لأن منكر هذه المرأة لا يزول بأقل من هذا فقتلها دون إذن من الرسول صلى الله عليه وسلم فلما عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّه على ذلك.
الحديث الخامس:
روى الشعبي عن علي رضي الله عنه: (أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها) (14) .
قال ابن تيمية: هذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم (15) .
قلت: فهذا الرجل قتل المرأة دون إذن من النبي صلى الله عليه وسلم فأقره النبي على ذلك ونحن نرى أن هذا من باب تغيير المنكر باليد كما ذكرنا في القصة السابقة.
الحديث السادس: