الصفحة 22 من 44

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (( إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة ) ) (15) .

ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (( مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم ) ) (16) .

هذا ونحب أن نؤكد على قضية مهمة وهي أن قياس المصالح والمفاسد يجب أن يكون بمقياس الشرع، لا بمقياس العقول والأهواء، وفي ذلك يقول ابن تيمية: (( لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ) ) (17) .

سادسًا: أن لا ينكر العامي إلا في الأمور الجلية الظاهرة التي لا تحتاج إلى اجتهاد:

وفي ذلك يقول النووي رحمه الله: (( إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة؛ كالصلاة والصيام والزنى والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء ) ) (18) .

وإنما اشترط ذلك لأن الجاهل قد يوقعه جهله في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وهو لا يدري، كما أنَّا قد قدمنا أنه يلزمه تقديم الدعوة والبيان، وأنَّى له أن يدعو وأن يبين وهو جاهل، والله سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلىَ اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: 108)

فمن أين له بالبصيرة في دقائق العلم وهو عاميٌّ جاهل.

وبعد:

فهذه أهم الضوابط التي يجب مراعاتها عند التغيير باليد، ولعلك تلحظ فيها أخي القارئ أنها كلها تقريبًا ليست خاصة بآحاد الرعية، بل إنها مما ينبغي على الحكام والعلماء أيضًا مراعاته، وكذلك فإن منها ما ليس بقاصر على درجة التغيير باليد، لكنه قد يُطلب أيضًا عند التغيير باللسان، ولكننا ذكرناها كضوابط للتغيير باليد لآحاد الرعية بالذات، لعظم الحاجة إليها في هذه الحالة أكثر من غيرها.

والله أعلم

(1) إحياء علوم الدين (2/ 324) .

(2) أخرجه البخاري (5143، 4064، 6066، 6724) ومسلم (2563) وأبو داود (4917) من حديث أبي هريرة.

(3) أخرجه أبو داود (4890) وقال النووي في رياض الصالحين ص: 508: حديث حسن صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.

(4) شرح مسلم (2/ 26) .

(5) انظر إحياء علوم الدين (2/ 329 - 333) .

(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجلال الدين العمري ص: 174.

(7) الجامع لأحكام القرآن (4/ 49) .

(8) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 293) .

(9) السيل الجرار (4/ 586) .

(10) أحكام القرآن للجصاص (1/ 31، 32) .

(11) الإحياء (2/ 331) .

(12) أحكام القرآن للجصاص (2/ 31) .

(13) رسالة الحسبة المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (28/ 129) .

(14) المصدر السابق (28/ 131) .

(15) إعلام الموقعين (3/ 7) .

(16) المصدر السابق (3/ 7، 8) .

(17) رسالة الحسبة المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (28/ 129) .

(18) شرح مسلم (2/ 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت