الصفحة 19 من 52

وعندما يكون هذا التناقض يحدث الخطأ في الفهم إذ يصبح تفكير الإنسان من منطلق متناقض مع الإسلام.

فإذا كانت صفة الجبن مثلًا هي موضوع التناقض بين التكوين الشخصي والحق الإسلامي فسيكون الاستدلال عند هذا الجبان متجها نحو إثبات صواب كل ما يتفادى به الخطر والمخاوف، وهكذا ...

ومن هنا تأتي قيمة الربانية بمعني التوافق بين التكوين الشخصي للإنسان، والحق في الإسلام، كما تأتي بمعني الحكمة.

ولهذا جاء في تفسير [1] قول الله: (وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) [سورة آل عمران الآية: 79] .

قول ابن عباس: ربانيين أي حكماء علماء حلماء.

وقول سعيد بن جبير: ربانيين أي حكماء فقهاء.

وقول عبد الله بن مسعود: ربانيين أي حكماء أتقياء.

وواضح أن الحكمة هي القاسم المشترك في كل المعاني التي جاءت في تفسير معنى الربانية. ولذلك يربط الإمام الشاطبي بين معنى الربانية والحكمة فيقول في كتاب الموافقات بعد كلام: (ويسمي صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ والفقيه والعاقل، وكذلك ارتباط معنى الربانية بمفهوم الدعوة، ارتباطًا واضحأ من النص القرآني:(وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) [سورة آل عمران الآية: 79] . والذي يفسره قول علي بن أبي طالب: الربانيون هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها [2] .

وقول ابن القيم:(وجهاد النفس أربع مراتب:

1)أن يجاهدها على تعلم الهدي.

2)أن يجاهدها على العمل بعد علمه.

3)أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه.

4)أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فان السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمي (ربانيًا) حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه ويدعو إليه، فمن علم وعمل فذاك يسمي عظيمًا في ملكوت السموات). وبعد تقرير قيمة الربانية أو الحكمة في فهم الإسلام يبدأ تحديد منهج الوصول بالمسلم إلى تلك المرحلة، وهو منهج التربية.

منهج التربية:

ومنهج تربية الدعاة هو التوجيهات المرتبطة بمرحلة الإعداد لأصحاب الدعوة. ويتحدد من ناحيتين: ناحية علمية وهي أن أحكام هذا المنهج مرتبطة بالأحكام التي بدأت بها الدعوة باعتبار أن مرحلة الإعداد هي البداية الطبيعية للدعوة كما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وناحية شرعية: وهي أن أحكام هذا المنهج نوافل وليست فرائض إذ أن الفرائض تكليف عام لا يجوز فيه تخصيص مسلم داعية في مرحلة إعداد دون غيره من المسلمين.

وكون أحكام هذا المنهج ليست فرائض. فإن لذلك قيمة تربوية. وهي تحقق الرغبة الذاتية في الطاعة التي لا تقف عند حد التكاليف الشرعية المفروضة. وهذا أمر مفترض في الدعاة.

كما أن النوافل هي السبب الشرعي الذي يتحقق به حب الله للعبد. بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: (ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ... )

(1) أنظر تفسير ابن كثير للآية.

(2) الرسائل الكبرى للإمام ابن تيميه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت