الصفحة 11 من 52

والإحكام من أبرز معاني الحكمة ...

ولذلك يعرف ابن القيم الدرجة الأولى من الحكمة فيقول: (أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه وحده ولا تعجله عن وقته ولا تؤخره عنه) ثم يقول: وهذا الحكم عام لجميع الأسباب مه مسبباتها شرعًا وقدرًا فأضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض وتعدي الحد كسقيها فوق حاجتها بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد وتعجيلها عن وقتها كحصاده قبل أوانه وكماله) [1] .

وإحكام الفكر يعني تنظيم العلاقات بين حقائق الفكر الإسلامي إذ أن لكل حقيقة في الإسلام حد لا ينبغي تجاوزه والمساواة بين الحقائق في كونها (فكرة إسلامية) من أهم أسباب الاضطراب في محاولة تحديد منهج الحركة، ومن هنا جاءت تعبيرات النبي صلى الله عليه وسلم بما يفيد العلاقات المنظمة بين الحقائق.

فمثلًا نجد التعبير بأم الكتاب. الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاه لمن لم يقرأ بأم الكتاب) [2] .

والتعبير بسيد الاستغفار الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بسيد الاستغفار) [3] .

والتعبير برأس الأمر الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه: (الجهاد) [4] .

فتعبيرات (أم) و (سيد) و (رأس) تفيد العلاقة.

وكذلك نجد في تعبير النبي صلى الله عليه وسلم حرصًا على ألا يطغي مفهوم على مفهوم تحقيقًا للإحكام بين المفاهيم، مثال قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [5] ثم قرأ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) [سورة الغاشية: آيه: 22: 21] ، وذلك حتى لا يغطي مهمة القتال على مهمة التذكير في فهم الناس.

وكذلك عندما بين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوضوء وصلاة ركعتين وراءه يغفر ما تقدم من الذنوب فإنه يحقق الإحكام بين الرجاء والغرور، عن حمران قال: (كان عثمان رضى الله عنه قاعدًا في المقاعد فدعا بوضوء فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله عليه وسلم توضأ في مقعدي هذا ثم قال:(من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه) [6] وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ... (ولا تغتروا) .

وكذلك عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مؤمن يموت له ثلاث أولاد إلا كانوا له حجابًا من النار) [7] ، فإنه عليه الصلاة والسلام يستثني استثناء هامًا فيقول: (ألا تحلة القسم) وهو قول الله: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) [سورة مريم الآية: 71] .

وبذلك تتقرر حقيقة الحجاب من النار بموت الثلاثة أولاد مع حقيقة الورود عليها تحلة للقسم دون تناقض.

وأساس الإحكام الفكري في الإسلام هو أن تكون كل الحقائق متهجة نحو غاية نهائية واحدة.

(1) مدارج السالكين ج2 ص 469.

(2) متفق عليه: البخاري في الأذان (237/ 2) ومسلم في الصلاة (394) من حديث عبادة ابن الصامت.

(3) البخاري في الدعوات (97/ 11) من حديث شداد بن أوس.

(4) صحيح: الترمذي في الإيمان (362/ 7) وقال حسن صحيح، والحاكم في التفسير (412/ 2) وصححه علي شرطهما ووافقه الذهبي والمسند (531/ 5) .

(5) متفق عليه: البخاري في الإيمان (75/ 1) ، ومسلم في الإيمان أيضًا رقم (22) عن ابن عمر.

(6) متفق عليه: البخاري في الوضوء (259/ 1) ، ومسلم في الطهارة (226) عن عثمان بن عفان.

(7) متفق عليه: البخاري في الجنائز (18/ 3) ، ومسلم في البر رقم (3632) عن أبي هريرة، وتفسير تحلة القسم من كلام البخاري وليس بمرفوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت