وبعد إنشاء الواقع الصحيح للتفكير وإحكام الفكر ذاته في تحديد المنهج وتحديد العلاقة بين الفكر والقدر في قيام الواقع ...
تأتي مرحلة ثالثة تنتهي بها فتنة الفكر القائمة وهي تكوين الإنسان المفكر، ووجود الإنسان المسلم المفكر تفكيرًا صحيحًا هو الحل الأساسي لمشكلة الدعوة، حيث أن الفهم هو الموضع الحقيقي لتلك المشكلة. والإنسان هو صاحب الفهم، وفد صور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المسلم ونصوص القرآن كنحلة تمتص الرحيق وذلك عندما سمع بلالا يتنقل في قرأته بين سور القرآن فقال: (أن مثل بلال كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا ثم هو حلو كله) [1] .
وهذا التصوير يحدد لنا مهمة المسلم في فهم النص على أنها استخراج من رحيق القرآن حق فيه شفاء للناس.
وأي محاولة لفهم القرآن دون أن يتجاوز النص القرآني الحناجر ودون أن يكون هناك القدرة الإيمانية على امتصاص رحيق الحق من النص فإنها سترجع فهمًا خاطئًا وفكرًا هزيلًا.
وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم مثلًا لذلك بحديثة المستفيض بشأن الخوارج وضلالهم مع عبادتهم فقال: (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم) [2] ، وفي رواية في غير الصحيح: (لا يجاوز حناجرهم) .
ومن أجل قيمة الفهم جاء تعريفّ الحكمة عن ابن عباس وفيه تحديد للإصول العلمية التي يتحقق بها الفهم الصحيح للإسلام. وفيه تعليل لذلك التحديد بأن القرآن قد قرأه البر والفاجر وذلك قوله: (الحكمة هي المعرفة بالقرآن ناسخة ومنسوخة ومحكمة ومتشابهة ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله) [3] ، وفي رواية تفسيره: (فإن القرآن قد قرأه البر والفاجر) ، وهذا معناه أن تحديد هذه الأصول أصبح أمرًا ضروريًا بسبب اختلاط الأفهام، ومعناه كذلك أن اختلاط الأفهام يرجع مباشرة إلى تعرض من لم يصلوا إلى مرحلة البر لتفسير النصوص.
حيث أن صفة البر في الإنسان أصل في فهم القرآن.
وقيمة الإنسان في فهم الإسلام ترجع إلى الإتفاق بين الحق في الإسلام والفطرة في الإنسان ودليل ذلك معروف وهو قول الله: (فِطْرَت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة الروم الآية: 30] .
هذا من حيث التكوين الخلقي ...
أما المقياس المتمم لمقياس الفطرة في الإنسان لتحقيق الفهم الصحيح للإسلام فهو مقياس الربانية وهذا من حيث التكوين الشخصي.
ومعناه أن يكون الإنسان بعقيدته وتفكيره وسلوكه مقياسًا للحق مثلما كان بفطرته من البداية ...
والربانية هي استفاضة صفة العبودية لله عز وجل في واقع المسلم، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: (ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها) [4] .
ومما لا شك فيه أن العبد عندما يصل إلى مرحلة أن يسمع بالله ويبصر بالله فإنه يقينًا سيكون دليلًا على الحق.
وقيمة الوصول إلى مرحلة الربانية في الفهم هي تفادي أثر التناقض أو المفارقة بين الحق الإسلامي وبين التكوين الشخصي للإنسان باعتبار أن التفكير العقلي أثر لهذا التكوين الشخصي.
(1) أخرجه الحكيم الترميذي في نوادره والطبراني في الأوسط رقم (181) عن أبي هريرة وراجع مجمع الزوائد (300/ 9) فقد حسنه الهيثمى.
(2) روي عن أبي سعيد عند البخاري (376/ 6) ، ومن حديث جابر عند مسلم (1063) وهي قطعة من حديث طويل.
(3) سبق تخريجه في أول الكتاب.
(4) البخاري في (340/ 11) عن أبي هريرة.