الصفحة 25 من 52

وبعد أن بدأنا إنشاء الواقع الصحيح للدعوة بتكوين الجماعة المسلمة وإحكام الفكر وتكوين الفرد المفكر يبقي أمران ضروريان لتمام مهمة إنشاء هذا الواقع.

أولهما؛ تحديد علاقة هذه الجماعة المسلمة بالواقع التاريخي للدعوة:

وهذا التحديد شرط عملي هام لكي تكون هذه الجماعة امتداد صحيحًا للواقع التاريخي للدعوة وذلك بأن تجتمع فيها كل تجارب الدعوة السابقة ... وهذا ما يتحقق بربط الجماعة القائمة بالواقع التاريخي برباط التجربة.

وفي ذلك تحقيق لأهم مقتضيات الحكمة حيث جاء في تعريف الحكمة علاقتها بالتجربة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل حليم عثرة ولكل حكيم تجربة) [1] ولقولهم في تعريف الحكمة: (رجل حكيم أي رجل أحكمته التجارب) .

-والأخذ بالتجربة من أهم ضرورات المواجهة مع الجاهلية لسبب عملي واضح وهو أن الجاهلية تجربة واحدة بدأها إبليس بمعصيته واستكبارًا وسيظل قائمًا عليها إلى يوم البعث.

وهذا معناه أن الجاهلية تاريخ واحد وأن المواجهة من جانبها للإسلام قائمة بخبرة تاريخية كاملة ن ولنا أن نتصور بتلك القاعدة مدي التطور الجاهلي في المواجهة عندما يكون العامل الزمني الذي تتطور به هو هذا التاريخ القديم المستمر.

والمواجهة الإسلامية للجاهلية وهي تجربة تاريخية واحدة بتجارب مبتورة معناه فقد اكبر إمكانيات القدرة الإسلامية في تلك المواجهة.

ولهذا تم لقاء مباشر بين موسى رسول بني إسرائيل وبين رسولنا عليهما الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج في السماء.

واستجاب نبينا عليه الصلاة والسلام لنصيحة أخيه موسى ...

واستجاب الله عز وجل لسؤال نبينا صلى الله عليه وسلم ... بالتخفيف وأصبحت الصلاة خمسًا بعد خمسين [2] .

غير أن الاستفادة الحقيقية من تجارب الدعوة السابقة رهن بالتقييم الصحيح لها فكرًا وتطبيقًا.

فمن ناحية الفكر والمنهج يتم التقييم على أساس الالتزام بالكتاب والسنة والفهم السلفي لهما.

ومن ناحية التطبيق والواقع فإن التقييم يتم على أساس بلوغ حد الاستطاعة ماديًا وتنظيميًا لتحقيق الهدف المحدد للتجربة.

أما التقييم الخاطئ للتجربة فهو الذي يبتعد عن جوهرها الشرعي والحركي فيفقدها أثرها في واقع الدعوة حيث يصير التقييم بالابتعاد عن جوهر التجربة مجرد كلام نظري لا يتجاوز ناحيتها الشكلية أو نتائجها المادية، وبناء على التقييم الإيماني الصحيح فإن هناك تجارب إسلامية عظيمة وإن لم يكن لها نتائج مادية في الواقع ولكنها أخذت تلك الصفة لتحقق المستوي الإيماني الكامل فيها.

وهؤلاء هم أصحاب الشجرة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على القتال بصدق فيرضي الله عنهم دون أن يقاتلوا: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [سورة الفتح الآية: 18] .

وإذا كان من الطبيعي أن يكون لكل تجربة خطؤها فإن التقييم الصحيح هو الحد الفاصل بين الخوف من الخطأ الذي يجعلنا نبذل أقصي الجهد لتحقيق صواب العمل وبين الخوف الذي يترتب عليه توقف العمل.

وبذلك فغن التقييم الصحيح للتجربة هو الذي يضع المسلم في سبيل ميسر للعمل الصحيح بعد أن ينفض عنه غبار الخطأ ويعيد إليه دافع الاستمرار مردودًا بتجربة ماضية ليخوض بها تجربة مقبلة.

(1) سبق تخريجه رقم (9) .

(2) البخاري في قصص الإسراء (458/ 1) ومسلم (163) عن أبي ذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت