وتحديد منهج الدعوة من خلال مفهوم الحكمة له مقدمة أساسية وهي الإحكام وقد سبق قول ابن القيم في الدرجة الأولى من الحكمة: (أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله عن وقته) قوله: (و لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها شرعًا وقدرًا ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها ولها أوقات لا تتقدم ولا تتأخر كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره ولا تتعدى بها حدها فتكون متعديًا مخالفًا لله ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة ولا تؤخرها عنه فتفوتها فالحكمة إذن فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي وتلك هي الحدود الأساسية للعمل الإسلامي) .
1)ضرورة العمل.
2)صيغة العمل.
3)وقت العمل.
بحيث تتم هذه الحدود من خلال الإحكام بين جوانب مفهوم الحكمة.
وتحديد منهج الدعوة من خلال الإحكام بين جوانب المفهوم في التطبيق يقتضي عدة أمور:
ألا تطغي مراعاة الواقع على الحق كما لا نتجاهل هذا الواقع في إحقاق الحق.
ولا نفقد في واقعنا الإحساس بالغاية، كما لا نتخيل غاية دون واقع.
ولا نبدأ بغير الوجود الصحيح للفرد المسلم، ولا ننتهي عند وجوده دون تحقيق الغاية به.
وحتى لا تطغي مراعاة الواقع على الحق ...
يجب إثبات الحق في وضع المراعاة للواقع ولو بالتقرير القولي إذا لم يكن هناك القدرة على التحقيق الفعلي له، والمثال التطبيقي لهذا المبدأ هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وجعلتها على قواعد إسماعيل) [1] .
فمراعاة أن القوم حديثو عهد بجاهلية لم يمنع إثبات الحق في جعل الكعبة على قواعد إسماعيل بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم القولي.
ومراعاة الواقع دون إثبات الحق في جعل الكعبة على قواعد إسماعيل بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم القولي.
ومراعاة الواقع دون إثبات الحق هي التي تجعل من مجرد المراعاة ذاتًا للمنهج بغير الحق.
كما لا نتجاهل الواقع في تحقيق الحق.
والمثال التطبيقي لهذا المبدأ هو ما فعلة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود بعد غزوة الأحزاب: ذلك أن بني قريظة كانت ممن اشترك ضد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة بعد أن تعاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الأمان معه، وكانت بنو قريظة حليفة للأوس، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحاسبهم على غدرهم الذي غدروه مع مراعاة هذا التحالف القائم بينهم وبين الأنصار حتى لا يغضب الأنصار لحلفائهم ... ويترتب على ذلك فتنة بين المسلمين.
فكانت الحكمة في ذلك هي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل بني قريظة على حكم حلفائهم. لكي يكون الحكم متضمنًا للحق الذي يجب أن يكون، وكذلك متضمنًا لإنهاء التحالف الذي كان قائمًا.
عن أبي سعيد الخدري قال: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتي على حمار، فلما دنا من المسجد قال الأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. فقال: تقتل مقاتليهم وتسبي ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك) [2] .
ولعلنا نلحظ في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: للأنصار: قوموا لسيدكم، والسبب في ذلك هو أنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يثبت له السيادة عليهم ليكون حكمه هو حكم الأنصار جميعهم.
(1) البخاري (224/ 1) ومسلم رقم (1333) عن عائشة.
(2) سبق برقم (63) .