الصفحة 32 من 52

ولا نفتقد في واقعنا الإحساس بالغاية والعاقبة لنرتفع فوق مشقة هذا الواقع وعقباته، هؤلاء هم صحابة رسول الله يطلبون منه الدعاء بالنصر في فترة الاستضعاف فيقول: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من مكة إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) [1] .

هذا نبينا عليه الصلاة والسلام يعترضه حجر وهو يحفر الخندق مع الصحابة فيضربه ضربة ويقول: (الله أكبر فتحت الفرس) ويضربه الثانية ويقول: (الله أكبر فتحت الروم) [2] .

ثم لا نبدأ بغير الوجود الصحيح للفرد المسلم لأنه ضمان الإحكام بين مراعاة الواقع وإحقاق الحق والإحساس بالغاية. حيث أن هذا الإحكام بين هذه الأمور هو البصيرة التي جاءت في قول الله: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة يوسف الآية: 108] .

وفي العموم فإن أخذ هذا الدين بكل جوانبه هو شرط القيام به وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يقوم بهذا الدين إلا من أحاط بكل جوانبه) [3] .

فالبصيرة صفة ذاتية للفرد الداعية ولذلك جاء النص بلفظه (أنا) ولفظه (ومن اتبعني) حيث يفيد اللفظان ثبوت الصفة الفردية.

وبعد هذه المقدمة الأساسية يتحدد منهج الدعوة من خلال مفهوم الحكمة ...

من منطلقين:

أولًا: الإحكام بين أبعاد العمل.

ثانيًا: الإحكام بين مراحل العمل.

أما المنطلق الأول وهو الإحكام بين أبعاد العمل: فهو الإحكام بين مهمة التبليغ واستخدام القوة، وقيام السلطة.

أ) التبليغ بالكلمة: وتحقيق الحكمة فيه تقتضي ثلاثة أمور:

الأول: الإحكام بين الواقع العملي للدعوة ومهمة التبليغ.

الثاني: حكمة التبليغ.

الثالث: الصراع بالكلمة.

-الأول: أما عن الإحكام بين الواقع العملي ومهمة التبليغ:

فترجع قيمته إلى هذا الإحكام هو الذي يحمي طاقة الدعاة العلمية من أن تتبدد في تجاوز الكلمة لحدودها، لأن نسبة الطاقة العملية والكلامية في الإنسان نسبة عكسية.

وهذا معناه أن أي تجاوز للقدر الصحيح يترتب عليه مباشرة انحسار عملي في الواقع، أما دليل التناسب العكسي بين الطاقة الكلامية والعلمية في الإنسان هو هذا الموقف الذي كان فيه المسلمون على سفر فتلاحي رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار حتى كثر الكلام فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوقفه فسار بهم جميعًا ولم يعرس [4] حتى أصابهم التعب فتوقف الكلام فأمرهم أن يعسكروا بعد التعب فيقول أحد الصحابة وهو يصف الحال الذي كانوا عليه: (فما أن وجدنا مس الأرض حتى نمنا) [5]

وبذلك أنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهره الكلام باستيعاب الطاقة، ولهذا يجب أن يكون الإحكام بين الكلمة والعمل أساسًا في تحديد منهج الدعوة ... وتبليغ الحق ليس مجرد كلام ولكنه تصرف صحيح وتعامل سليم يتعامل به الدعاة مع الناس.

وهذا سليمان يدعو ملكة سبأ بموقفين عمليين دون دعوة مباشرة بالكلام.

(1) البخاري (164/ 7) عن خباب بن الأرت.

(2) أخرجه النسائي (43/ 6) من طريق أبي سكينة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسنده لا بأس به.

(3) عزاه السيوطي في جامعة الكبير ل (أبي نعيم) عن علي - رضي الله عنه - كما في كنز العمال (83/ 3) .

(4) لم يسترح في سفره.

(5) أخرجه البخاري (648/ 8) في التفسير، ومسلم في (البر) رقم (2584) من حديث جابر بن عبد الله ورواه الترميذي وغيره والرجل المهاجري هو: جهجاه بن قيس الغفاري، والأنصاري هو: سنان بن وبرة الجهيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت