الصفحة 33 من 52

وكان الموقف الأول لإثبات صفة الذكاء وقوة العقل، فإنه أخذ العرش ونكره لها ثم عرضه عليها، وسألها: (أهكذا عرشك) ؟ فأجابت: (كأنه هو) فكانت أعقل إجابة: فلم تقل هو، لأنه منكر ولم تقل: ليس هو، لأنه هو.

وكان الموقف الثاني لإسقاط الغرور عن نفسها: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة النمل الآية: 44]

وبإثبات الذكاء وإسقاط الغرور تمت الدعوة ودخلت في الإسلام.

وتحقيق الإحكام بين الكلمة والواقع يكون من خلال عدة أسس.

أ) التركيز الأدبي في التبليغ ويعني تحقيق أكبر تبليغ للحقائق بأبسط الأساليب بأن تسهم كل كلمة في هذا التبليغ في تأكيد وإثبات هذه الحقائق.

ومن أجل هذه الصفة أعطي الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم [1] .

ومثال لتوضيح تلك الصفة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو قوله: (أن المقسطين على منابر من نور على يمين عرش الرحمن يوم القيامة) [2] ، فتجد أن مضمون الحديث هو الإعلاء من شأن المقسطين ونجد أن كل ألفاظ الحديث قد ساهمت في تأكيد هذا المضمون بلا زيادة أو نقصان.

(فالمقسطون على منابر) أفادت معنى التعظيم، (علي منابر من نور) فزاد معنى التعظيم (علي يمين عرش الرحمن) زادت معنى التعظيم (يوم القيامة) زادت معنى التعظيم.

ويدخل تحت صفة التركيز الأدبي. الأسلوب الاصطلاحي الذي يتم به التعبير عن المعاني الكثيرة بمفهوم واحد محدد مثال قول الرسول صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس عندما سألوه أن ينصحهم بنصحية يرجعون بها إلى قومهم فقال: (أن تؤمنوا بالله، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الإيمان هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداُ رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ... ) [3] .

ب) تحديد الأسلوب العملي لتطبيق أي حقيقة ... وهذه أبرز خصائص الحديث النبوي، ومثاله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا) [4] وإلى هنا يقرر الرسول حقائق ثم يقول: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) محددًا الأسلوب العملي لتحقيق الحقائق المقررة.

ج) رفض أي كلمة ليس لصاحبها واقع إيماني صحيح ...

ولذلك يرفض القرآن شهادة المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وذلك بقوله تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [سورة المنافقون الآية: 1] .

فالآية تؤكد رفض شهادة المنافقين من أجل واقعهم غير الصحيح.

(1) (أوتيت جوامع الكلام) صحيح ومن أتم ألفاظه ما رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني بسند صححه الألباني (أعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه(89) .

(2) أخرجه احمد بهذا اللفظ (250/ 2) عن أبي هريرة وأخرجه البخاري (128/ 6) ، ومسلم رقم (523) .

(3) أخرجه البخاري (129/ 1) ومسلم رقم (18) عن ابن عباس رضي الله عنه.

(4) أخرجه مسلم رقم (54) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت