وإذا كان من الطبيعي - كذلك - أن يكون لكل تجربة خطؤها فإن التقييم الصحيح هو الذي يرتفع بحقيقة الاخوة مرهونة بصواب أو مفقودة بخطأ طالما أن قيام التجربة كان في حدود الإيمان الصحيح، ويسعنا في ذلك قول الله عز وجل: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحشر الآية: 10] .
وتقييم التجارب الإسلامية السابقة علينا لمجرد إضافة خبرة أو زيادة معرفة ولكنها اعتراف للخير من أصله ن لأن أي تجربة حدثت في مجال الدعوة هي أحداث سبقنا بها دعاة نحن نليهم في استمرار الدعوة.
والخير على مستوي تاريخ هذه الأمة مرتبط بصفة السبق الزمني بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [1] .
وصفة السبق الزمني هي التي تعطي للأحداث صفة التجربة.
وهذه مقارنة قرآنية بين فترة ما قبل الفتح وما بعده من خلال الإنفاق والقتال وذلك في قول الله: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [سورة الحديد الآية: 10] .
وما سبق يحدد قيمة التجربة على المستوي التاريخي للدعوة.
يبدأ بعده تحديد قيمة التجربة على المستوي الفردي وأثر التجربة في الداعية بصفة شخصية من خلال عدة نقاط.
أولًا: أن التجربة أساس للتربية: ولذلك رعي كل الأنبياء الغنم قبل ممارسة الدعوة ليتزودوا من خلال تجربة الرعي بصفة السكينة والوقار.
ولعلنا ندرك قيمة الإنسان وخطورة التعامل معه في مجال الدعوة بدون تجربة، من خلال تزود الأنبياء بتجربة رعي الغنم قبل التعامل مع البشر.
ثانيًا: أن التجربة مصدر للثقة، ولذلك جعل الله موسى يخوض تجربة العصا عندما تصير حيه في الوادي المقدس. قبل أن يذهب إلى فرعون: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) [سورة طه الآية: 17 - 20]
ورغم أن موسى ذهب إلى فرعون مزودًا بتلك التجربة فإنه في موقف المواجهة أوجس في نفسه خفية فما بالنا لو ذهب بغير تلك التجربة.
ثالثًا: أن التجربة ضرورة لليقين: لأن التجربة واليقين يلتقيان في الواقع إذ أن الواقع هو مجال التجربة ومصدر اليقين ولذلك كانت رؤية زكريا لمريم في تجربة ملموسة للرزق بغير حساب هي مصدر يقينه بإمكانية أن يرزق الولد بعد أن اشتعل رأسه شيبًا: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) [سورة آل عمران الآية: 38: 37] .
رابعًا: أن التجربة ضمان للصواب: ولذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم الحذر من معاودة الخطأ إذا حدث بالاستفادة من أي تجربة خاطئة فيقول: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) [2] .
الثانية؛ العلاقة بين الجماعة المسلمة والمجتمع الجاهلي:
(1) البخاري (258/ 5) ومسلم (2535) .
(2) البخاري (529/ 10) ومسلم رقم (2998) عن أبي هريرة.