والأمر الرابع: في العلاقة بين الفكر البشري والقدر الإلهي في تحديد منهج الدعوة هو رفض التفكير البشري البحت الذي لا يقوم على أصل شرعي أو سنة قدرية ثابتة، فهذا التفكير هو الذي سيتحول بالدعوة إلى حركة مادية، ويفقدها صفة الربانية، ولهذا بجد في واقع الدعوة الصحيح المواقف التي تؤكد صفة الربانية بصورة واضحة.
ففي الوقت الذي كان المسلمون فيه في أشد الحاجة إلى من يشاركهم قتال المشركين يرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا مشركًا يريد القتال معه ويقول له: (ارجع فإني لا أستعين بمشرك) [1] وبالتفكير المادي في الموقف كان يمكن مشاركة هذا الرجل.
ويأتي رجل آخر إلى الرسول ويقول أقاتل أو أسلم فيمنعه الرسول من القتال معه ويقول له: (بل أسلم ثم قاتل) [2] فبايع وقاتل فقتل، فقال عليه الصلاة والسلام: (عمل قليلا وأجر كثيرا) .
وبالتفكير المادي في المواقف كان يمكن تأجيل البيعة لأن القتال دائر.
وفي وقت القتال تقام صلاة الحرب لتصلي جماعة من المسلمين وتحميها الأخرى.
وبالتفكير المادي كان يمكن تأجيل الصلاة حتى لا يضيع الوقت وإمكانيات القتال. وفي القتال يرفع السيف عن كل من قال لا إله إلا الله، وهذا سؤال يسأله صحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عن المقداد بن الأسود أنه أخبر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذمني بشجرة فقال أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله. قال فقلت: يا رسول الله، إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله: (لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) [3] .
ويدخل الدعاء كأقوى أسلحة القتال، ففي غزوة الأحزاب. ينظم الرسول كل أموره ويعد كل عدته ثم يقول: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أدع الله يا براء أن يهزمهم وينصرنا عليهم) [4] .
ثم يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان البشر يحققون أهدافهم بقوتهم وإمكانياتهم المادية فلسنا مثلهم، فيقول: (إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم) [5] .
لأنها دعوة ربانية ... تقوم بالقدر ولها أسباب وسنن [6] .
(1) أخرجه مسلم رقم (1817) من حديث عائشة رضى الله عنها.
(2) البخاري في الجهاد (24/ 6) من حديث البراء بن عازب.
(3) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (95) عن المقداد بن الأسود.
(4) البخاري في المناقب (274/ 8) ومسلم رقم (1675) عن أنس.
(5) البخاري في الجهاد (88/ 6) عن سعد بن أبي وقاص.
(6) يراجع كتاب قدر الدعوة للكاتب.