في فتح الطائف ... حاصر الرسول الطائف ثلاثة أيام ولم تفتح له. فقال: سنرحل غدًا، فأرادت الصحابة القتال. فتركهم يقاتلون فجرحوا جراحات شديدة. ولم تفتح لهم، فقال: سنرحل غدًا إن شاء الله. وتم الرحيل. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عروة بن مسعود وهو مشرك من الطائف ودعاه إلى الإسلام فأسلم. فذهب إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه. فقال عليه الصلاة والسلام: (مثل عروة بن مسعود في قومه كمثل صاحب سورة ياسين وهو الذي قال الله فيه:(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) [سورة يس الآيتان: 28، 29] )، وفتحت الطائف بعد قتل عروة بن مسعود [1] .
وفي فتح خيبر ... قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر خربت خيبر. أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) . توافقًا مع قوله الله: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ 176 فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ) [سورة الصافات الآيتان: 176، 177] .
وفي فتح مكة يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة أن يقولوا (حطة) [2] كما أمر الله بني إسرائيل أن يقولوها في دخول الأرض المقدسة كما جاء في قول الله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) [سورة البقرة الآية: 58] .
ولهذا قال الرسول بعد أن قالها الصحابة: (والله إنها الكلمة التي أمر بني إسرائيل أن يقولوها فلم يقولوها) .
وفي غزوة الأحزاب ... علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سينصره على المشركين واليهود لما تحزبوا ضده وقال: (ابشروا معشر المسلمين) لأنهم بهذا التحزب حققوا سنة إهلاكهم، لأنه من أفعال الله أن يهزم الأحزاب. ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) [3] ولهذا عبر القرآن عن الكافرين بعد إهلاكهم بقوله: (أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ) [سورة ص الآية: 13] . وكان الغزو صباحًا من أهم الأساليب القتالية التي حققت التوافق بين القتال وسنن إهلاك الكافرين ... حتى أصبحت الخيل هي المغيرات صبحا كما جاء في قول الله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) [سورة العاديات الآيتان: 13] .
والإصباح سنه إهلاك، بدليل قول الله في قوم لوط: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [سورة هود الآية: 81] ، وقوله: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ) [سورة القمر الآية: 38] ، وقول الله: (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ) [سورة الصافات الآية: 177] .
أما الأمر الثالث: في العلاقة بين الفكر البشري وقدر الله في تحديد منهج الدعوة فهو أن الاستدلال بالنصوص الإخبارية عما سيكون في آخر الزمان وأشراط الساعة، يكون باعتبار أنها ليست نصوص تكليفية وباعتبار أنها ليست سنن قدرية يلزم التوافق فيها والحركة. بل إنها أقدار غيبية لا يلزمنا الاحتجاج بها. أما النصوص التكليفية فهي مدار هذا التأصيل.
(1) أخرجه أحمد في مسنده (323/ 4) من حديث المسور بن مخرمه ومروان بن الحكم أنظر أسد الغابة (33/ 4) والإصابة (476/ 2) وسيرة ابن هشام (537/ 2) .
(2) البخاري (المغازي) (164/ 8) من حديث أبي هريرة.
(3) البخاري (406/ 7) ، ومسلم رقم (1742) عن عبد الله بن أبي أوفي.