الصفحة 15 من 52

من أجل ذلك فإن القرآن يعلمنا الإيمان بإطلاق القدر الإلهي ومحدودية التفكير البشري فيقول عز وجل: (فَعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ) [سورة المائدة الآية: 52] . ردا على المنافقين الذين لا يؤمنون بقدرة الله على تخليص المؤمنين من الاستضعاف أصلًا. وتوجيها للمؤمنين الذين يؤمنون بقدرة الله على ذلك، ولكنهم قد يحددون هذه القدرة بصورة واحدة وهي الفتح ... فيقول الله: (أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ) [سورة المائدة الآية: 52] ، (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [سورة الحج الآية: 41] .

وقيام الواقع الإسلامي بصورته المادية هو في النهاية أمر غيبي لا يمكن للذهن البشري أن يحتويه (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [سورة هود الآية: 123، سورة النحل الآية: 77] ، وقد يفتن الفكر البشري بارتكازه على الأسس الشرعية أو النواميس الكونية ... فيجزم بضرورة تحقيق النتيجة المحددة بهذه الأسس وتلك النواميس ... ولكن القدر فوق الشرع وفوق الناموس.

وهذه حقيقة الحقائق وقمة اليقين التي تملأ قلب كل مسلم حقيقة أن رسول الله سيدخل الجنة، يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدوثها إلى الله فيقول - كما في الصحيح - والله أني لرسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم) [1] ...

وأي محاولة احتواء ذهني لأمر غيبي هي تأله على الله وتجاوز للحد البشري كما قدره الله.

وما سبق في تحديد العلاقة بين القدر الإلهي والفكر البشري كان باعتبار تحقيق الواقع، ولكن من حيث تحديد المنهج أصلا فإن العلاقة تتحدد من خلال عدة أمور.

الأول: أن التكاليف الشرعية هي التي تتضمن الأسباب القدرية لتحقيق الواقع ... فإن الخطأ الشرعي في مجال الدعوة يعني استحالة أو تأخير تحقيق هذا الواقع.

وليس لهذه القاعدة أي استثناء.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله اليهود عن الروح فيقول سأخبركم غدًا، ولا يقول إن شاء الله. فلا ينزل الوحي. إلا بعد فترة. الرسول صلى الله عليه وسلم يحزن فيها حزنًا شديدًا، ويقول فيها اليهود: ذهب عنه شيطانه.

ولما نزل الوحي بالإجابة، نزل ومعه تصحيح وتحديد السبب الذي من أجله تأخر النزول [2] .

الثاني: تحديد السنن القدرية الثابتة وذلك بنصوص الكتاب والسنة لتحقيق التوافق معها في مجال الحركة الإسلامية وقد وضح هذا التوافق وضوحًا كاملًا في التحرك الإسلامي الأول وبالتحديد في مجال القتال.

حيث كان الأسلوب القتالي مرتبطًا بسنن إهلاك الكفار لتحقيق المعني القدري للقتال وهو أنه عذاب الله للكفار بأيدي المسلمين (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) [سورة التوبة: 14] .

وهذه مقارنة سريعة بين سنن الإهلاك وأساليب القتال.

(1) البخاري في (الجنائز) من حديث أم العلاء (114/ 3) .

(2) أنظر البخاري (401/ 8) ومسلم رقم (2794) . تفسير قول الله عز وجل (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) (الإسراء الآية: 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت