ولتحقيق ذلك يجب قياس كل حقيقة إلى غايتها ... فمثلًا:
حقيقة الإيمان تقاس بقول (لا إله إلا الله) بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ... والحياء شعبة من الإيمان) [1] .
وحقيقة العمل تقاس بالصلاة بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أي العمل أفضل قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قيل: ثم أي، قال: الجهاد في سبيل الله: [2] وقوله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) [3] . وحقيقة المقام والمكانة تقاس إلى مقام النبوة بدليل قول الله عز وجل:
(فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [سورة النساء الآية: 69] ، وقول النبي صلي الله عليه وسلم: (أنا كافل اليتيم في الجنة هكذا) [4] ، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطي، وقوله: (التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين) [5] ... وهكذا.
وقيمة الإحكام الفكري في الإسلام ترجع أساسًا إلى هذا الإحكام الفكري هو المقدمة الطبيعية للإحكام التطبيقي الذي يضمن قيام الواقع الإسلامي بصبغته الخالصة كما أرادها الله سبحانه.
والحكمة هي أساس تحقيق هذه الصبغة، لأن الحكمة هي الحكم التطبيقي بين الحقائق.
فلا يجوز أن تأخذ الدعوة صورة كلامية بحتة أو صورة قتالية بحتة ... أو صورة اعتزالية بحتة ... رغم أن التبليغ بالكلمة حق شرعي في ذاته ... والقتال حق شرعي في ذاته ... والاعتزال أو الهجرة حق شرعي في ذاته.
ولكن الحكمة هي التي تعطي لكل حق شرعي في ذاته. حق التطبيق في الواقع ...
ومن هنا يجب أن تكون هناك حساسية شديدة في قبول أي صورة تطبيقية للفكر في الواقع.
وهؤلاء هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون رجلًا إلى رسول الله لأنه يقرأ في كل صلاة بسورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [6] رغم أن الفعل جائز شرعًا إلا أنهم رأوا في هذا العمل مظهرًا جديدًا في التطبيق.
وعلي أساس الارتباط بين الحكمة والإحكام كان التقابل بين الحكمة والبدعة ذلك أن البدعة هي في تطبيقها فكرة دخيلة على إطار الفكر الإسلامي المُحكم وقد أورد الإمام ابن تيميه في التقابل بين الحكمة والبدعة قول الإمام أبو عثمان النيسابوري (من جلس إلى صاحب بدعة حرم الحكمة) كما قال: (من أمّر السنة على نفسه قولًا وعملًا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولًا وعملًا نطق البدعة) [7] .
وأقرب تشبيه للعلاقة بين الحقائق في واقع الفكر الإسلامي هي العلاقة بين العناصر الكونية التي تشكل بصفة دقيقه الواقع الكوني.
وتمامًا مثلما يتجاوز العنصر الكوني حدوده فتنشأ الظواهر الكونية المدمرة، كذلك تكون الحقيقة عندما نتجاوز بها حدودها في واقع الدعوة.
(1) مسلم رقم (35) في الإيمان من حديث أبي هريرة وعند البخاري نحوه في الإيمان أيضًا (51/ 1) .
(2) البخاري (9/ 2) من حديث ابن مسعود.
(3) أخرجه الترمذي رقم (413) من حديث أبي هريرة وحسنه والنسائي (232/ 1) ، وأحمد (377/ 5) ونحوه (290/ 2) ن والحاكم 0263/ 1) وصححه ووافقه الذهبي - وهو كما قالا.
(4) البخاري (236/ 10) عن سهل بن سعد رضى الله عنه.
(5) الترمذي رقم (1209) ، والحاكم (6/ 2) من طريق الحسن عن أبي سعيد.
(6) علقه البخاري في (الآذان) (255/ 2) عن أنس ووصله الترمذي والبزار وغيرهم.
(7) كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان للإمام ابن تيميه ص 35.