الصفحة 13 من 52

ولنعمق هذا التصوير بمثال لحقيقة من الحقائق التي تجاوزنا بها حدودها لنرى آثار هذا التجاوز ... حقيقة الحذر ... وحدودها الصحيحة في واقع الفكر هو حد التوكل على الله الذي نخوض به الأحداث، وحد الإيمان بالقدر الذي نتقبل به نتائج الأحداث.

ولكن بتجاوز الحذر لهذين الحدين صار الحذر جبنًا يقعد عن العمل ... وريبة تفسد العلاقة وتبدد الاطمئنان. وأغرق تجاوزنا بحقيقة الحذر لحدودها واقع الدعوة بظاهرة مدمرة أشد تدميرًا ... وهي ظاهرة الاتهام بالعمالة التي هبطت بمستوي الثقة في مجال الدعوة بصفة عامة ولم تضر فقط بالعناصر التي أصابها هذا الاتهام، لأن افتراض وجود عميل بين المسلمين معناه افتراض العمالة في كل مسلم، والقاعدة أنه لا يوجد من هو فوق الشبهة. وهذا لا يرجع إلى واقع الشخصية الإسلامية. ولكن يرجع إلى أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.

وبافتراض العمالة يضيع الاطمئنان فلا تقوم علاقة ولا تكون جماعة ولا تصير دعوة وهذا هو البعد النهائي للافتراض.

وقد كانت ظاهرة الاتهام بالعمالة نتيجة مباشرة لفتنة الفكر.

وذلك عندما تجاوز التفكير العقلي حد التوكل على الله والإيمان بالقدر مع فقدان التآلف في مجال الدعوة فصارت العلاقة الإنسانية في هذا المجال علاقة عقلية جافه مهيأة لتقبل أي محاولة خبيثة لتفتيتها، ومن هنا يمكن القول بأنه إذا كان التآلف القلبي أساسًا المنهجي من حيث الفكر فإنه في نفس الوقت أساس للاطمئنان الوجداني الذي يعتبر شرطًا جوهريًا للممارسة الحركية بعد الاتفاق المنهجي.

والعلاقة الإنسانية في مجال الدعوة لا تقوم إلا بالاطمئنان المطلق والثقة الكاملة.

وهذا حديث يؤكد هذه الحقيقة:

عن أبي سعيد الخدري قال: (خرجنا حجاجا - أو عمارا - ومعناه ابن صياد، قال: فنزلنا منزلًا فتفرق الناس وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه [1] قال: وجاء بمتاعه فوضعه على متاعي، فقلت: أن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال ففعل، قال فُرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس فقال: اشرب أبا سعيد، فقلت: إن الحر شديد واللبن حار - ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال آخذه عن يده - فقال يا أبا سعيد: لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول الناس، يا أبا سعيد: من خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله عليه وسلم؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو كافر [2] وأنا مسلم؟ أو ليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو عقيم لا يولد له وقد تركت ولدى بالمدينة؟ أ, ليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل المدينة ولا مكة وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن) قال قلت له: تبًا لك سائر اليوم) [3] .

فمن خلال هذا النص ندرك أنه كان هناك اقتناع عقلي ببراءة ابن صياد من الاتهام ولكن هذا الاقتناع لم يكن كافيًا لقيام علاقة حقيقية، بدليل رفض أبي سعيد الخدري أن يكون متاعها فوق بعضه، ورفضه أن يشرب اللبن من يده، ورغم كل ما ذكره له ابن صياد من أدلة، فإنه يقول: لقد كدت أعذره. أي أنه لم يعذره العذر الكامل.

كما ندرك إحساس المتهم بمن حوله من الناس. وكيف دفعه هذا الإحساس إلى قوله: (لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول الناس) .

(1) كان ما يقال عليه أنه هو المسيح الدجال.

(2) يقصد الدجال.

(3) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد رقم (2927) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت