الصفحة 12 من 306

إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام. بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة. بل إن شريعته هي عقيدته .. إذ هي الترجمة الواقعية لها. كما تتجلّى هذه الحقيقة الأساسية من خلال القرآن .. وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم (الدين) في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة .. حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين -ودعك من أعدائه والمستهترين الذي لا يحفلونه- أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة. لا تجيش لها نفوسهم، كما تجيش للعقيدة، ولا يعدون المروق منها مروقا من الدين، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة. وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة. إنما الزحزحة التي زاولتها أحهزة مدربة قرونا طويلة حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة حتى في حس أشدّ المتحمسين لهذا الدين وهي هي القضية التي احتشد لها كثير من آيات القرآن .. إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك .. إن هؤلاء لا يقرأون القرآن ولا يعرفون طبيعة هذا الدين .. فليقرأوا القرآن كله، وليأخذوا قول الله بجدّ (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) وأن بعض هؤلاء المتحمسين الغيورين على هذا الدين. يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون، بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة .. إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة. إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية. شهادة بأن هذا الدين قائم بها، لا ينقصه ليكمل أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن الوجود أصلا. ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع، الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد.

إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله. فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين .. وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله وتغتصب سلطانه وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع عن الأنفس والأموال والأولاد .. وهي هي المشكلة التي كان يُواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات. ويربطها بقضية الألوهية والعبودية ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر، وميزان الجاهلية أو الإسلام ..

إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر (وجوده) لم تكن هي المعركة مع الإلحاد حتى يكون مجرد التدين هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين. ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي. فهي معارك تالية لمعركة وجود هذا الدين .. لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر (وجوده) هي معركة الحاكمية لمن تكون .. لذلك خاضها وهو في مكة .. خاضها وهو ينشئ العقيدة، ولا يتعرض للنظام وللشريعة. حاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده، لا يدّعيها لنفسه مسلم. ولا يقر مدّعيها على دعواه مسلم .. فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصية المسلمة في مكة، يسّر لهم مزاولتها الواقعية في المدينة .. فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون بعد أن يُدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين. وهكذا التبس مفهوم الدين على كثير من المسلمين حتى ارتدوا عن دينهم وهم لا يشعرون (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) . وهكذا تمت الزحزحة عن هذا الدين، فأصبح ملتبسا غامضا، لا يقف الناس معه على تصور واضح ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت