الصفحة 11 من 306

وإن الدين الإسلامي يحكم شريعة الله في الناس، لا أهواء البشر، وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون. وليس هناك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة، وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء، فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) إنها شريعة واحدة هي التي تستحق الاتباع، وما عداها أهواء منبعها الجهل، وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها. وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء. وأصحاب الأهواء يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة، فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة لهم أو جنحا عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه .. إن هذا الدين جدّ وقد جاء ليحكم الحياة، جاء ليعبد الناس لله وحده وينتزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان، فيردّ الأمر كله إلى شريعة الله لا إلى شرع أحد سواه. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلهاـ، ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها، ولم يجيء هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار، ولا لتكون شريعته موضوع دراسة نظرية لا علاقة بها بواقع الحياة .. فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان وليس مجرد عبارات وأدعيات .. إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق. إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا الله، وذلك بردّ الناس إلى العبودية لربهم الحق. وردّ المجتمع إلى حاكميته وشريعته، وردّ الطغاة المعتدين على ألوهية الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء، وتأمين الحق والعدل للناس جميعًا وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت .. وتعمير الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله ... وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها. وخان بعهده الذي عاهد الله عليه ونقض بيعته التي بايع بها رسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت