فهرس الكتاب
وإن الجهاد في سبيل الله الإقرار منهج الله في الأرض وإعلان سلطانه على البشر وتحكيم شريعته في الحياة لتحقيق الخير والصلاح والنماء للناس، لهو صفة العصبة المؤمنة التي يختارها الله ليصنع بها في الأرض ما يريد. وإن الحكم بما أنزل الله سيواجه في كل زمان وفي كل أمة معارضة من بعض الناس، ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام، معارضة الكبراء والطغاة، وأصحاب السلطان الموروث، ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه، ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع، والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله. وستواجه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة .. وستواجه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال ..
ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها .. وستواجه معارضة جهات شتى، غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض .. علم الله سبحانه أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجهات وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة وأن يصمدوا لها، وأن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال فهو يناديهم (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) .. هذا هو الطريق .. يجب أن لا تقف خشية الناس دون تنفيذ لشريعة الله. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله، ويرفضون الإقرار من ثم بنفوذ الله سبحانه بالألوهية، أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة أو المنحرفة أو المنحلة التي تستنقل أحكام شريعة الله. وتشغب عليها. يجب أن لا تقف الخشية لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة. فالله وحده هو الذي يستحق الخشية، والخشية لا تكون إلا لله .. وهناك من تُراودهم أطماع الحياة الدنيا ممن يدعون لأنفسهم اسم المسلمين، وهم يجدون أصحاب السلطان وأصحاب المال وأصحاب الشهوات لا يريدون حكم الله، فيملقون شهوات هؤلاء جميعا طمعا في عرض الحياة الدنيا، كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل مكان.
وهؤلاء بهذا يشترون بآيات الله ومنهجه ودستوره عرضا حقيرا (وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) . وذلك ممن يسكتون على الباطل خوفا منه، أو يحرفون ما أنزل الله أو يلقون الفتوى المدخولة وذلك مقابل رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة، يباع بها الدين، وتشترى بها جهنم عن يقين .. إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن. وليس أبشع من تفريط المستحفظ. والذين يحملون عنوان (رجال الدين) يخونون ويفرطون ويلبسون. فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله .. فلا بد للدعاة إلى الله أن لا يحسبوا للخلق حسابا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة ولا يخشون أحدًا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) ..