الصفحة 207 من 306

فلا بد للدعاة من الجهاد لإقرار منهج الله في الأرض (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) .. فهم يجاهدون في سبيل الله، لا في سبيل أنفسهم، ولا في سبيل قومهم، ولا في سبيل وطنهم ولا في سبيل جنسهم. في سبيل الله لتحقيق منهج الله وتقرير سلطانه وتنفيذ شريعته، وتحقيق الخير للبشر عامة عن هذا الطريق وليس لهم في هذا الأمر شيء، وليس لأنفسهم من هذا حظ، إنما هو لله وفي سبيل الله بلا شريك. وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. وفيم الخوف؟ وفيم الوقوف عند مألوف الناس، وعرف الجيل ومتعارف الجاهلية، وهم يتبعون سنة الله ويعرضون منهج الله في الحياة؟ إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس. ومن يستمد مدده وعونه من عند الناس. أما من يرجع إلى موازين الله ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناس وشهواتهم وقيمهم، وأما من يستمد قوته وعزته من قوة الله وعزته، فما يبالي ما يقول الناس، وما يفعلون. كائنا هؤلاء الناس ما كانوا. وكائنا واقع هؤلاء الناس ما كان. وكائنة حضارة هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون .. إننا نحسب حسابا لما يقول الناس، ولما يفعل الناس، ولما يملك الناس ولما يصطلح عليه الناس، ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين .. لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم .. إنه منهج الله وشريعته وحكمه، فهو وحده الحق وكل ما خالفه فهو باطل. ولو كان عرف ملايين الملايين، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون .. إنه ليست قيمة أي وضع أو أي عرف أو أي تقليد أية قيمة .. إنه موجود وأنه واقع وأن ملايين البشر يعتنقونه ويعيشون به، ويتخذونه قاعدة حياتهم. فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي، إنما قيمة أي وضع وأي عرف وأي تقليد وأي قيمة أن يكون لها أصل في منهج الله الذي منه وحده تستمد القيم والموازين .. ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل الله ولا تخاف لومة لائم. فهذه سمة المؤمنين المختارين الذين لا يخافون أي شيء. فالخوف من الله الأحد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت