فهرس الكتاب
إن أصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله .. وإنه لينبغي لهم أن تمتلئ قلوبهم بالثقة حتى تفيض، وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أيًا كان .. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) .. إن الطاغوت لا يتحمل بقاء الداعية في نظامه، لأن الداعية ماض في طريقه وهو يقول لهم: نفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم (وَلاَ تُنظِرُونِ) لا تمهلوني. فكل استعدادي هو اعتمادي على الله وحده دون سواه .. إنه التحدي الصريح الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته. فما كانت العدة والقوة؟ كان معه الإيمان بالله وحده، ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه. فليس هذا التحدي غرورا. وليس كذلك تهورا وليس انتحارا. إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوة الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان.
وأصحاب الدعوة إلى الله جديرون أن يقفوا هذه الوقفة دائما. ولن يضرهم الطاغوت إلا أذى. ابتلاء من الله، لا عجزا منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركا لهم ليسلمهم إلى أعدائه. ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف، ثم تعود الكرة للمؤمنين .. هذه هي سنة الله في الأرض .. فإذا طال طريق على العصبة المؤمنة مرة. فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق، وأن تستيقن أن العاقبة. والاستخلاف للمؤمنين. وألا تستعجل وعد الله حتى يجيء وهي ماضية في الطريق. (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) . وما شك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه ولا امترى. وهو على بينة من ربه. ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد الكفرة والمعاندين في وجه الدعوة، وما كان يخالج نفس الداعية الأعظم من ضيق وتعب ووحشا من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين. تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت .. وما أحوج الدعاة وهم يواجهون مثل تلك الحال في كل مكان، ويتآزر عليهم الصد والإعراص والسخرية والاستهزاء والتعذيب والإيذاء والمطاردة بكل صورها المادية والمعنوية. وتتضافر عليهم كل قوى الجاهلية في الأرض من محلية وعالمية. وتسلط عليهم أبشع ألوان الحرب وأنكدها. ثم تدق الطبول وتنصب الرايات لمن يحاربونها ..
وما أحوج الدعاة إلى تدبر هذا التوجيه الرباني بهذه الآية الكريمة بكل فقرة فيها، وبكل إشارة وبكل لمحة فيها وكل إيماءة. ما أحوج الداعية إلى اليقين: (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) . ستجد في نفسك ظلالا كما وجده الرسل الكرام صلوات الله عليهم وسلامه.