الصفحة 210 من 306

إن الدعاة تقف اليوم بوجههم الجاهلية التي تعترف بوجود الله سبحانه -أو لا تعترف- ولكنها تقيم للناس أربابا في الأرض يحكمونهم بغير ما أنزل الله، ويشرعون لهم من القيم والتقاليد والأوضاع ما يجعل دينونتهم لهذه الأرباب لا لله .. ثم هي الدعوة الإسلامية للناس كافة: أن ينحوا هذه الأرباب الأرضية عن حياتهم وأوضاعهم ومجتمعاتهم وقيمهم وشرائعهم وأن يعودوا إلى الله وحده يتخذونه ربًا، لا أرباب معه، ويدينون له وحده، فلا يتبعون إلا شرعه ونهجه ولا يطيعون إلا أمره ونهيه .. ثم هي بعد هذه وتلك المعركة القاسية بين الشرك والتوحيد وبين الجاهلية والإسلام وبين طلائع البعث الإسلامي وهذه الطواغيت في أرجاء الأرض والأصنام. وإن الدعاة لا بد أن تجد نفسها وموقفها كله في هذا القرآن في مثل هذا الأوان.

يجب على الدعاة أن يتأسوا برسل الله (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم) . نقف أمام تلك المواجهة من هود لقومه، وأمام هذا الحسم الكامل وفي تحد سافر، وثقة من ربه ..

إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة أن يقفوا طويلًا أمام هذه المشهد الباهر. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا قليل يواجه أعتى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم، وأشد أهل الأرض بطشًا كما قال عنهم الله (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) فهؤلاء العتاة الجبارون يبطشون بلا رحمة. والذين أبطرتهم النعمة .. هؤلاء هم الذين واجههم هود عليه السلام هذه المواجهة في شجاعة المؤمن، واستعلائه وثقته واطمئنانه، وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة الكاملة وتحدّاهم أن يفعلوا ما في وسعهم. ولقد وقف هود عليه السلام هذه الوقفة الباهرة لأنه يجد حقيقة ربه في نفسه، فيوقن أن أولئك الجبارين العتاة المتمتعين المتبطرين، إنما هم من الدواب، وهو مستيقن أنه ما من دابة إلا وربه أخذ بناصيتها (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) .. ففيم يحفل إذن بهؤلاء الدواب؟ وأن ربه هو الذي استخلفهم في الأرض وأعطاهم ما أعطاهم من نعمة ومال وقوة ودين، وقدرة على التصنيع والتعدين للابتلاء، لا لمطلق العطاء، وأن ربه يملك أن يذهب بهم ويستخلف غيرهم، إذا شاء ولا يضرونه شيئًا، ولا يردون له قضاء، ففيم إذن يهوله شيء مما هم فيه، وربه هو الذي يعطي ويسلب حين يشاء، وكيف شاء ..

إن أصحاب الدعوة إلى الله لا بد أن يجدوا حقيقة ربهم في نفوسهم على هذا النحو، حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم .. أمام القوة المادية وقوة الصناعة وقوة المال وقوة العلم البشرية وقوة الأنظمة، والأجهزة والتجارب، والخبرات، وهم مستيقنون أن ربهم آخذ بناصية كل دابة. وأن الناس كل الناس، إن هم إلا دواب من الدواب ..

هذا هو الطريق وذات يوم لا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة، فإذا القوام الواحد أمتان مختلفتان .. أمة تدين لله وحده وترفض الدينونة لسواه وأمة تتخذ من دون الله أربابًا وتحاد الله. ويوم تتم هذه المفاصلة، يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على كل أعدائه في صورة من الصور التي قد تخطر وقد لا تخطر على البال .. ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة، فاختاروا الله وحده .. وكانوا هم حزب الله الذين لا يعتمدون على غيره، والذين لا يجدون لهم ناصرًا سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت