الصفحة 74 من 306

إن الإسلام منهج واقعي للحياة لا يقوم على مثاليات خيالية جامدة في قوالب نظرية، إنه يواجه الحياة البشرية. كما هي بعوائقها وجواذبها وملابساتها الواقعية، يواجهها ليقودها قيادة واقعية إلى السير والارتقاء في آن واحد، يواجهها بحلول عملية تكافئ واقعيتها، ولا ترفرف في خيال حالم، لا تجدي على واقع الحياة شيئًا ..

إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه. ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات، ويؤذون الطيبين ويقتلون الصالحين. ويفتنون المؤمنين ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان. والإسلام يمضي في هذا المنهج .. إنه يحرم الغيبة .. ولكن لا غيبة لفاسق. فالفاسق الذي يشتهر بفسقه، لا حرمة له يعف عنها الذين يكتوون بفسقه وهو يحرم الجهر بالسوء من القول ولكنه يستثني (إِلاَّ مَن ظُلِمَ) فله أن يجهل في حق ظالمه بالسوء من القول لأنه حق ولأن السكوت عن الجهر به يطمح الظالم في الاحتماء بالمبدأ الكريم الذي لا يستحقه ..

ومع هذا يبقى الإسلام في مستواه الرفيع لا يتدنى إلى مستوى الأشرار البغاة، ولا إلى أسلحتهم الخبيثة ووسائلهم الخسيسة. إنه فقط يدفع الجماعة المسلمة إلى الضرب على أيديهم وإلى قتالهم وقتلهم وإلى تطهير جوّ الحياة منهم هكذا جهرة .. هذا هو الإسلام صريحا قويا دامغا. لا يلف ولا يدور ولا يدع الفرصة كذلك لمن يريد أن يلف من حوله أو يدور .. وهذا هو القرآن يقف المسلمين على أرض صلبة لا تتأرجح فيها أقدامهم، وهم يمضون في سبيل الله لتطهير الأرض من الشر والفساد ولا يدع ضمائهم قلقة متحرجة تأكلها الهواجس. وتؤذيها الوساوس .. هذا شر وفساد وبغي وباطل .. فلا حرمة له إذن، ولا يجوز أن يترس بالحرمات، ليضرب من ورائها الحرمات. وعلى المسلمين أن يمضوا في طريقهم في يقين وثقة وسلام في ضمائرهم وفي سلام من الله. هكذا يروج الباطل بدعايته المضللة بشتى الأساليب الماكرة على الجماعة المسلمة أنها تعتدي وتنتهك الحرمات .. ومن قيادة الجماعة المسلمة يأتي لهم الأمر المطمئن (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) وهكذا تطلق كلمة الحق. ولكن يراد بها باطل، وهي مجرد ستار يحتمي الباطل خلفه لتشويه موقف الجماعة المسلمة ..

هكذا يعلمنا الله أن هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزنا، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين، ويؤذونهم أشد الإيذاء، ثم بعد ذلك يتسترون وراء الحرمات ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات. فكيف يواجههم الإسلام؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟ إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار من السلاح، بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح، ولا يتورعون عن سلاح. كلا. البغي والشر. وأن يقلم أظافر الباطل ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة، ويسلم القيادة للجماعة الطيبة. ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة. ليرموا الطيبين الصالحين البناة وهم في مأمن من ردّ الهجمات. وحين تكون القيادة في الأيدي النظيفة الطيبة المؤمنة المستقيمة حينئذ تصان للمقدسات حرمتها كاملة كما أرادها الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت