الصفحة 3 من 80

وعلى عهد الشيخين كانت الحياة كلها محكومة بتعاليم الإسلام وروحه، وكان الشيخان على قمة البشرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم، يتطلع الناس إليهما في تصرفاتهما، وسلوكهما، ومشاعرهما، وأفكارهما فيدركون القبس الخالد الذي يقبسان منه، ويرون الرسول صلى الله عليه وسلم رأي الواقع في قلبيهما الكبيرين، فيعيشون في ظلهما مع الرسول فوق ما يعيشون معه في ذكرياتهم الخاصة، ووجداناتهم التي كانت بدورها قد شحنت بتلك القبسات المشرقة من قبسات الرسول.

وجاء عثمان رضي الله عنه فسار في أول عهده على هدي الشيخين ما استطاع، ولكن رويدًا رويدًا أخذ نفوذ مروان بن الحكم ومنهجه يغلبان على الحكم، وعثمان رضي الله عنه تثقله السن. وبدأ المسلمون يحسون بافتراق الطريق. وبدأت الصورة المتكاملة للرسول صلى الله عليه وسلم تنحسر شيئًا فشيئًا إلى داخل النفوس، بعد أن كانت ملء النفوس وملء الحياة معًا وعلى نسق واحد.

وكلما انفرجت الشقة بين الواقع المشهود وبين تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، زادت صورته انحسارًا في نفوس المسلمين، حتى ينتهي الأمر إلى أن تصبح"مثالًا"متألقًا في أعماق الوجدان، لا صورة حية في العيان، مثالًا منعزلًا عن واقع الحياة، لا يحكمها ولا يرسم منهجها، ولا يتجه الشعور إليه لتسيير دفتها!

ولكن أجيالًا متطاولة مضت قبل أن تتم العزلة في صورتها العنيفة التي تقوم اليوم في قلوب المسلمين.

كان الحكم في البلاد الإسلامية - رغم بعده التدريجي عن روح الإسلام - يقوم باسم الإسلام!

وكان المجتمع إسلاميًا رغم فساد الحكام!

نعم. لقد ظل المجتمع في الريف والمدن البعيدة عن العواصم إسلاميًا قرابة ألف سنة، لا يتأثر بفساد الحكم، ولا تصل إليه العدوى من العاصمة المنحلة التي فيها القصور الماجنة، وصور الحياة الدنسة.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يُحكِم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت"البيئة الزراعية"المماثلة في أوربا تقوم على علاقة السادة والعبيد: سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل.

في تلك الأثناء كانت بقية من صورته صلى الله عليه وسلم لم تنعزل بعد في وجدان المسلمين. ورغم أن المذاهب"الصوفية"كانت نشيطة في المجتمع الإسلامي كله في ذلك الوقت، والصوفية تجنح إلى العزلة عن الحياة والبعد عن مجالدتها، إلا أن هذه المذاهب قد أدت دورًا تاريخيًا في منع المجتمع الإسلامي من التفكك، والإبقاء عليه مترابطًا"بأخوة"الصوفية كما أنها في غير قليل من الأحيان كانت تدخل معترك السياسة ولو من وراء ستار ..

أما العزلة الكاملة الموحشة المرهوبة، فقد تمت وأحكمت حلقاتها حين بَعُدَ الحكم والمجتمع كلاهما عن الإسلام: اسمه وروحه، وصار الغرب هو الذي يحكم السياسة والمجتمع: باسمه الصريح حينًا، وعلى يد صنائعه النافرين من الإسلام حينًا آخر. وصار المجتمع الإسلامي صورة متحللة فاسدة من الأفكار الغريبة عن الحياة. لا هي إسلامية كما كانت، ولا هي نسيج واحد متميز، ولا تملك حتى القوة المادية التي يملكها الغرب، وإنما هي مسخ مشوه لا وحدة له ولا كيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت