الصفحة 4 من 80

عندئذ لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم"موجودًا"أصلًا في واقع الحياة. لم يعد كيانًا حيًا شاخصًا بلحمه ودمه، وأفكاره ومشاعره، وتنظيماته وتوجيهاته، ومادياته وروحانياته .. وانحصر وجوده في مشاعر الناس السلبية، في أعمق أعماقها .. في حالات الوجد والهيام .. أصبح صورة .. مجرد صورة مثالية. لا يمسكها إلا الحب العنيف أن تكون أسطورة محلقة في الخيال!

يا حسرة على العباد!

كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟ كيف جاز لهم أن يبددوا أكبر طاقة بشرية كونية في هذا الوجود، فينحسروا بها في عزلة عن الحياة؟! وهل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يصنع معه هذا الصنيع؟ الرسول الذي كان طاقة حية متحركة فعالة هادمة بناءة لا تكف لحظة عن النشاط؟ الرجل الذي كان كله حياة في واقع الأرض، يصبح معزولًا عن واقع الأرض؟! وممن! من أتباعه ومحبيه!

لو عاش صلى الله عليه وسلم في صومعته ..

لو كان"فيلسوفًا"ممن ينشئون الأفكار ويعجزون عن التنفيذ ..

لو كان ممن يحدثون عن"الأحلام"الجميلة و"المثل"الرفيعة ولا يبين لهم في واقع الأرض كيف تكون الطريق.

لو أنه كان"شاعرًا"أو"كاهنًا"...

لو أنه كان شيئًا من هذا كله لجاز للناس أن يعزلوه في وجدانهم، فيمنحوه الحب"النظري"والإعجاب المجرد، ثم .. لا يلتفتوا إليه وهم يواجهون عالم الواقع ويضربون في مناكب الأرض.

أما وهو الذي بين لهم كيف يضربون في مناكب الأرض .. أما وهو الذي أمسك المعول بيده فهدم الباطل أمام أعينهم وبنى بدله صرح الحق .. أما وهو الذي حارب معهم وأقام السلم .. وشيد بناء الدولة لهم لبنة لبنة حتى قام شاهقًا لا يطاوله بناء على الأرض .. وأكل معهم وشرب، وصحبهم وصحبوه، وعاش أمامهم كل لحظة من لحظات الحياة، وكل وجدان من وجداناتها وكل سلوك، ورأوه"يتصرف"في كل شأن من الشئون كبيرها وصغيرها، ليكون تصرفه سنة تحتذى، ويكون فيه أسوة حسنة للناس ..

أما وهو هذا كله فأي جرم في تبديد هذه الطاقة البشرية الكونية الكبرى، وحصرها في داخل الوجدان؟!

وهل جاء محمد صلى الله عليه وسلم لينعزل في الوجدان، والدين الذي جاء به هو الدين الذي يأبى الانعزال في الوجدان؟!

إن أبرز سمة في هذا الدين أنه دين الظاهر والباطن على حد سواء. لا يرضى أن يكون الظاهر نظيفًا والباطن غير نظيف، فيصبح رئاء الناس. ولا يرضى أن يكون الباطن نظيفا ولا صدى له في الظاهر فيفقد مهمته ومعناه. إنه الدين الذي يجعل العمل عبادة .. ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي ظل حياته كلها يتعبد بالعمل .. العمل المثمر النافع الظاهر للعيان.

فكيف جاز بعد هذا كله أن يتحول في قلوب المسلمين إلى مثال منعزل، ولو كان أرفع مثال على الأرض وأنبل مثال؟!

ولقد كان إحساسي بالرسول الكريم دائمًا هو إحساسي بالواقع المجسم، لا بالخيال المحلق في الفضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت