وكانت تهز وجداني هزًا عنيفا هذه الصورة المعروفة في كتب السيرة كلما قرأتها:"كان يمشي وكأنه يتقلع من الأرض ..."وترتسم في خيالي صورة رائعة، حية شاخصة، ممتلئة بالحيوية، متوفزة النشاط .. عظيمة في هذا كله عظمة لا تحد. وانظر إلى الصورة التي تجسمت في خيالي فأرى النور الرائق الصافي يشع من أعماق روحه صلى الله عليه وسلم، وينفذ إلى أعماق نفسي، ويغلبني الوجدان وأنا أنظر إلى هذه الروح الصافية العميقة الشفافة المشعة، ومع ذلك فلا تلبث صورته أن تتحرك .. وأراه صلى الله عليه وسلم يمشي وكأنه يتقلع من الأرض. أراه .. بمقدار ما تطيق روحي أن تصل إليه .. متحركًا يضرب في مناكب الأرض، ويشق طريقه في قوة وثبات وتمكن، ويقيم البناء كله لبنة لبنة .. وأراه في مواقفه النفسية الدقيقة العميقة، فأكاد ألمس النفس الجياشة المتحركة الدافقة. وأراه في لحظات تعبده، والنور يتألق من روحه ومن طلعته، فأحس كأن هذا النور يتحرك .. يتحرك ممتدًا حتى يشمل الفضاء.
الحركة الحية المتوفزة هي في نفسي صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم.
ومن ثم لا أحس بها منعزلة في الوجدان ..
ثم أرى العزلة التي تعانيها صورته في وجدان المسلمين، فأعجب للناس كيف يحبونه كل هذا الحب، ثم لا يتدبرون حياته للقدوة والأسوة كما قال لهم ربهم في كتابه المبين؟!
وليس هذا كتابًا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم!
وإنما هو جهد متواضع كل همي منه أن أحاول إخراج صورة الرسول من عزلتها الموحشة في قلوب المسلمين.
هدفي أن أقول للناس تدبروا بعض أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وانظروا كيف كانت كل كلمة يقولها منهج تربية ومنهج سلوك ومنهج تفكير ومنهج حياة ..
إنها مختارات متفرقة من الأحاديث، أو"قبسات من الرسول"كما أسميتها، كل منها يصلح أن يكون أحد"مفاهيم"الإسلام، مفاهيمه الواقعية الضاربة في مناكب الأرض، المتلبسة بصميم الحياة.
وليست هذه المختارات استقصاء لكل المفاهيم، ولا استقصاء لكل ما قيل في أي من هذه المفاهيم. وإنما هي مجرد مختارات كتبتها كما خطرت ببالي، وحسبي منها أن تفتح الطريق.
اللهم وفقني .. وأوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ .. إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ...
محمد قطب