ليس الفتح وحده هو الذي يلفت النظر، وإن كان حقيقًا بالتسجيل في سرعته الخاطفة التي لا مثيل لها من قبل ولا من بعد في التاريخ. ففي خمسين عامًا كان العالم الإسلامي الذي بدأ من لا شيء قد امتد من المحيط للمحيط. وكان كله - أو معظمه - قد اعتنق العقيدة الجديدة، وانقلب محاربًا في سبيلها لا يهدأ حتى يراها قد بلغت إلى أفق جديد!
وإنما الذي يلفت النظر هو تلك القمم العالية التي بلغها في كل اتجاه. قمم العدالة الشامخة والعظمات النفسية والروحية التي تتكاثر وتتواكب في هذه الحقبة الصغيرة من التاريخ.
واتساع الجوانب وتعدد الآفاق. في الحرب والسلم. في السياسة والاجتماع. في الحضارات المختلفة التي استوعبها الإسلام، ومثلها تمثيلًا رائعًا فامتص ما فيها من خير، وألقى بالزبد إلى الفناء.
في الروابط القوية المتينة التي شملت العالم الإسلامي كله، وفاضت منه إلى غير المسلمين حتى وهم يكيدون للدين. وحتى وهم يحاربونه أبشع حرب وأدنسها في أيام الصليبيين.
هذه الروابط المتينة التي صنعت معجزة لم تتكرر في غير الإسلام. إذ فسدت الحكومة - مبكرًا، على أيدي الأمويين والعباسيين - ولكن المجتمع ظل إسلاميًا، متماسكًا، متكافلًا، تربطه روح الأخوة والمودة ما يقرب من ألف من السنين!!
ذلك كله كان أثر العبادة الحقة، التي تعبد الله كأنها تراه!
ولقد كان القدوة الكبرى في ذلك دون شك هو الرسول الأعظم، منشئ هذه الأمة ومربي قادتها وجنودها على هدي الله وهدي الإسلام.
كان صلى الله عليه وسلم يرى الله كل لحظة من لحظات حياته الطويلة العريضة الشاملة الفسيحة.
كان يراه وهو يتلقى الوحي عنه - سبحانه - فتطيقه نفسه وتستوعبه إلى الأعماق.
وكان يراه وهو ينطلق في مناكب الأرض يدعو الناس إلى هذا الوحي لكي يهتدوا به إلى الله.
وكان يراه وهو في بيته زوجًا وأبا ورب أسرة.
ويراه وهو مع الناس وقريبًا ومعلمًا وهاديًا إلى سواء السبيل.
ويراه وهو يقاتل في سبيل الله، وهو يعقد السلم ويرجع من جهاد إلى جهاد.
ولا نتحدث عن العبادة في الخلوة فهي في غير حاجة إلى حديث.
يراه. ويعيش معه كل لحظات حياته، وكل مشاعر نفسه، وكل خلجاتها وكل سرها ونجواها.
ولا تضعف نفسه عن التلقي، ولا يضعف قلبه عن استيعاب النور الذي يغمره كلما رآه.
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين وسيد المرسلين
ثم كان أصحابه الذين صنعهم على عينيه، ورباهم تربية خبير عليم.
كانوا يرون الله بقدر ما تطيق نفوسهم وبقدر ما تصطبر على الأفق الأعلى المشرق المضيء الذي لا تحتمله النفوس، إلا أن تقبس قبسات من فيض الله الغامر، وقبسات من الرسول.
ثم كانت نفوس على مدار الزمن تتفرق أحيانًا، وتجتمع أحيانًا، تعيش على حب الله والعمل في سبيله، وعبادته كأنها تراه.
وما تزال هذه النفوس حيثما لقيها الإنسان، يحس في الحال بالفارق الحاسم بينها وبين الذين لا يعبدون الله، أو الذين يعبدونه على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابهم شر انقلبوا على أعقابهم .. خسروا الدنيا والآخرة.
تحس على الفور حين تلقى أحدًا منهم أنك أمام"إنسان". إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه وفضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه وتستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها ولا التواء.
وتحبه ..
لا تملك إلا أن تحبه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك.
تحبه لأن فيه قبسة من نور الله ... وتحاول - إن استطعت - أن تقفو خطاه ..