الصفحة 52 من 80

إنه ينسى! ينسى أنه هو شخصيًا قد نشأ في بيئة محافظة تستنكر الخمر وتَنْفر منها وتنَفِّر منها، وأنه نشأ وفي عقله الباطن فرامل قوية - مستمدة من هذه البيئة المحافظة - هي التي حالت بينه - دون أن يشعر - وبين الإسراف والإدمان. في أعماق نفسه شخص معنوي أو شخص مجسم، يمسك له العصا ويحذره، وينهال عليه ضربًا إذا تجاوز الحدود - في صورة تقريع الضمير.

وصحيح أن هذا الشخص لم يبلغ من القوة في نفسه أن يمنعه البتة، ولم يستطع أن يقفل عليه الطريق ولكنه مع ذلك موجود لا شك في وجوده. وله الفضل كله في الوقوف به عند درجة معينة لا تصل إلى الإدمان البغيض.

أما الأبناء فأين هذا الشخص في نفوسهم؟ من غرسه في أخلادهم وهم صغار؟

أبوهم؟ أو المجتمع الذي يسرح فيه آباء كأبيهم؟

كلا! لقد وجدت القدوة السيئة وانتهى الأمر، ثم لم توجد الزواجر التي منعت الجيل الأول من الإسراف!

أو قد توجد، ولكنها أضعف من الزواجر في أول جيل ..

ومن ثم يشرب الأبناء فيسرفون عن ذي قبل، لأن الشخص الذي في نفوسهم، والعصا التي في يده لينة لا تترك أثرًا في الضمير.

وينشأ بعد ذلك جيل ثم أجيال .. ويختفي رويدًا رويدًا ذلك الشخص من الضمير. ويندفع الناس بلا حاجز، ويسرفون بلا حدود.

تلك قصة الخمر على مدار الأجيال ..

جيل متقيظ في أول الأمر، عيونه على الجريمة.

ثم أفراد يتسللون خفية من وراء الستار ...

فإذا ظلوا في استتارهم، لا يتبجحون بالإثم ولا يسمح لهم المجتمع بذلك، فثم أمل بقاء المجتمع - في عمومه - نظيفًا من الجريمة فترة طويلة من الزمان. أما إذا أَمِنوا زجر المجتمع، فخرجوا من خفيتهم، وقعدوا على قارعة الطريق، فهنا ينشأ أول جيل منحرف. وهو انحراف بسيط في أول الأمر لا ينذر بالخطر ولا يبدو فيه النكير. ولكن الانحراف البسيط يمتد، كما يمتد ذراعا الزاوية من نقطة الصفر - نقطة الابتداء - حتى تنفرج الشقة ويبعد الذراعان ..

والهاوية المحتومة في نهاية الطريق!

وهي قصة كل جريمة من جرائم الأخلاق ..

قصة الكذب والخداع والنفاق والغش والتدليس.

قصة الغيبة والنميمة ونهش الأعراض وكشف العورات.

قصة الرشوة والظلم والفساد.

قصة القعود عن نصرة الحق والجهاد في سبيله.

قصة الترف والسرف والفجور والمجون.

وهي على الأخص قصة"التقاليد فيما يختص بالرجل والمرأة والاختلاط والجريمة ..."

يبدأ المجتمع"نظيفًا"متحفظًا لا يسمح بالاختلاط ولا يتهاون في الجريمة.

ولا نقصد"بالنظافة"أنه مجتمع من الملائكة الأطهار قد خلا من الجريمة. فهذا شيء لم يحدث في التاريخ!

ولكنا نقصدها بمثل المعنى الذي يستخدم في الشئون الصحية. فحين تقول الهيئات الطبية إن المدينة"نظيفة"تقصد أنها نظيفة من الأوبئة الخطرة، ولا تقصد أنها خالية من حالات فردية من هذه الأمراض.

في هذا المجتمع النظيف توجد حالات فردية غير نظيفة. ولكنها قليلة ومستترة وعدواها محدودة. وذلك نتيجة الحرص الدائم الذي يبذله المجتمع في عملية التنظيف.

ولكنه في وقت من الأوقات يتراخى ...

عندئذ يأخذ الوباء في الانتشار التدريجي البطيء.

وفي حالة الأوبئة الجسمية ينتشر المرض بسرعة وبطريقة ملموسة مميتة.

ومن هنا يهب الناس للوقاية والكفاح في أسرع وقت ويتساندون ويتكاتفون لوقف الوباء.

ولكن الأوبئة النفسية ذات طبيعة أخرى.

فالنفس بطبيعتها استجابة من الجسم. والمناعة النفسية اللاشعورية - حين توجد - تستطيع أن تقاوم المرض أو على الأقل تخفف حدته القاتلة مدى أجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت