ولذلك فالفساد الخلقي بطيء المفعول جدًا. وقد تمر أجيال كاملة على مجتمع منحل الأخلاق قبل أن ينهار. بل إن الانحلال قد يستشري في جيل من الأجيال الأخيرة إلى حد يعييك فيه البحث عن جماعة واحدة فاضلة. ومع ذلك فقد لا تقع الكارثة في هذا الجيل بالذات. ومن ثم يغرى الناس بالظن أن كل النذر خرافة، وأنهم مستمتعون بكل ما يشتهون، ثم ناجون مما كانوا يحذرون!
ولكن سنة الله في النهاية تتحقق! لم تتخلف مرة واحدة في التاريخ!
لم يحدث أن استمتع الناس بشهواتهم الزائدة إلى غير حد، ثم استمروا إلى الأبد أقوياء متماسكين قادرين على الحياة!
وهذه صفحة التاريخ مفتوحة لمن يريد.
صفحة اليونان القديمة وروما القديمة وفارس القديمة، والعالم الإسلامي حين غرق في الشهوات، ثم صفحة الغرب في جاهليته المعاصرة.
تبدأ الجريمة بسيطة خفيفة لطيفة ..
اختلاط بريء تحت لإشراف الآباء أو غيرهم من المشرفين ..
ونزهات لطيفة أو نواد ظريفة، ولا بأس فيها من إتاحة شيء من الخلوة"البريئة"بين شاب وفتاة.
وما الذي يمكن أن يحدث في خلوة كهذه بريئة وعين الرقيب على بعد خطوات .. أو حجرات؟!
ابتسامة من هنا وكلمة إعجاب من هناك؟
وضمة خاطفة في غفلة من الرقيب؟ وقبلة طائرة تطفئ الغلة أو تشعل اللهيب؟
"يا سيدي"!
ثم يحدث ما يحدث في الخمر ..
الإدمان ..
الكأس الأولى تصبح بعد حين تافهة ضئيلة المفعول. لا بد من كأس ثانية.
والقبلة الأولى تغري دائمًا بالمزيد، لا يمكن أن تتوقف، ليس ذلك من طبائع الأشياء.
ولكن الجيل الأول مع ذلك لا يسرف في الجريمة، ولا يصل إلى الإدمان المجنون.
هنالك الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد، ومعه العصا ينذر ويحذر ويهدد بعظائم الأمور. وهنالك التقاليد التي تربط المجتمع ولا يسهل الخروج عليها دفعة واحدة. ومن ثم لا تحدث الجريمة كاملة في أول جيل، وإنما"يتبحبح"الناس قليلًا ويفكون القيود.
ويمضي المجتمع في طريقه منتشيًا لا يحس بالخطر، ولا خطر - حتى الآن - هناك.
ويظن المجتمع - نظريًا - أنه قادر على ذلك إلى غير نهاية. قادر على أن يفك القيود ومع ذلك لا يقع في الجريمة أو لا يصل إلى الإسراف المعيب.
وهو مخلص في عقيدته تلك الضالة لأنه يقيس على نفسه ويغفل حقيقة الأمور.
يغفل الضوابط الخفية التي أنشأها في أعماق نفسه الجيل السابق المتحفظ. والتي لن يخلفها هو للجيل المقبل لأنه غير مؤمن بها، يظنها تشددًا بلا ضرورة ولا لزوم!
ينسى الرجل أنه قد رأى أمه متحفظة لا تختلط بالرجال، ورآها مكتسية لا يتعرى من جسمها شيء، ومن ثم تقاومه هذه الصورة على غير وعي منه وهو يدعو فتاة غريبة إلى الاختلاط به، ويدعوها إلى تعرية نفسها أو جسدها ليستمتع به.
نعم تقاومه حتى وهو مندفع الشهوة، فلا يسرف، ولا يتبجح بالإثم.
والفتاة التي رأت أمها متحشمة وزرعت في نفسها النفور من العري - النفسي والجسدي - تتحفظ كذلك - بوعي منها و بغير وعي - حتى وهي تهم بالانزلاق، فلا تسرف ولا تتبجح بالإثم.
ثم يتراجع هذا الجيل ..
ويجيء جيل جديد تربية الأم التي ذاقت في شبابها"متعة"التحلل البسيط من القيود، والأب كذلك.
الأم والأب اللذان ذاقا شيئًا من المتعة ولم يسقطا السقوط الكامل - والأم خاصة - لن ينظرا إلى التقاليد"المتزمتة"بعين الاحترام.
علام التشدد؟ ألم ينفلتا هما من هذا التشدد ولم يحدث شيء؟"فليتبحبح"الأولاد"قليلًا"ولا ضير!
ومن ثم ينشأ الجيل الجديد وقد ضعف الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد، ولانت العصا فلم تعد تترك أثرًا في الضمير، وتفككت التقاليد فلم تعد تمنع المحظور.
ويتراجع هذا الجيل ..