الصفحة 58 من 80

ثم كانت الثورة الصناعية في انجلترا، وتلتها الحركة الرأسمالية في بلاد أوربا ..

وللشيوعية رأي في الرأسمالية: أنها استعباد من رءوس الأموال للكادحين، وامتصاص لجهدهم الذي يبذلون فيه العرق والدماء والدموع ليتحول إلى ثراء فاجر في يد الرأسماليين العتاة ..

وإنها لكذلك ..

ولكن التاريخ قد وعى - رغم ذلك - حركة هائلة من التحرر في فترة الرأسمالية، نقلت الشعب من مقاع العبودية المطلقة والهوان الكامل، إلى وضع أقل ما يقال عنه إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه ..

إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه ..

ولم يكن ذلك تفضلًا من"السادة"الحكام والملاك والمشرعين. ولا كان إحساسًا منهم بالخير الفياض في نفوسهم، والتقدير"الحر"لكرامة الإنسان كان صراعًا طويلًا عنيفًا اصطدمت فيه القوى من الجانبين كما حدث من قبل في صراع العبيد ضد الإقطاع .. وإن كانت لم تصحبه الثورات الدموية من الشعوب ضد الحكام، لأن الثورة الفرنسية كانت قد قررت لهم المبادئ ولم يبق سوى التنفيذ، ولأن العمال كانوا يملكون السلاح الذي يواجهون به الرأسمالية وهو سلاح الإضراب!

كلا! لم تصل أوربا إلى العدالة عن تقدير صادق للكرامة الإنسانية، وشعور صادق بقيمة الإنسان! وإنما كانت خطوة خطوة يتراجعها السادة الحاكمون ليكسبها الشعب الحاقد الغضبان!

وحتى في العصر الحديث حين استقرت الأمور - بعض الشيء - وزال عنها شيء من شعور الحقد، وأصبحت العدالة من أمور الحياة العادية البديهية المقررة .. وصار القبض على شخص واحد في إنجلترا مثلًا بدون تهمة، أو اعتقاله يومًا بدون تحقيق، يثير البلاد كلها، ويقيمها ويقعدها، وتستجوب عنه الحكومة أمام الشعب .. حتى عندئذ لم يصطبغ القانون الأوربي أو الغربي عامة بالصبغة"الإنسانية". فما تزال فيه السمة الرومانية البغيضة التي كانت تقصر العدالة من قبل على المواطن الروماني، وهي اليوم تقصرها على الرجل الأبيض، الذي يستمتع وحده بالحقوق الإنسانية ويحرم منها بقية بني الإنسان. والشواهد البشعة على ذلك في كل مكان على ظهر الأرض وطئه الرجل الأبيض وما زال مسيطرًا عليه، في أفريقيا وآسيا وأمريكا .. وبين البيض والملونين في كل مكان!

أما الإسلام فلم يكن في حاجة إلى الثورة المزلزلة التي تهرق الدماء وتقطع الرءوس!

بل لم يكن في حاجة إلى مجرد المطالبة بالحقوق!

بل لقد كان هو الذي يمنح الناس الكرامة الإنسانية، ويحرضهم على التشبث بها، والمحافظة عليها، والكفاح من أجلها في وجوه الطغاة والظالمين!

يمنحها متفضلًا .. ككل حق منحه للناس قبل أن يطلبوه، ورباهم على اعتناقه في ظل العقيدة، كجزء من العقيدة، وطالبهم بإقامته - في ظل العقيدة - كفرض من الفروض!

ولا عجب في ذلك. فالإسلام كلمة الله. والله هو المانح، والمتفضل على البشر بكل نعمة من نعم الحياة!

وقد قضى الله أن يكون الحق والعدل قوام الحياة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت