الحق الذي هو صنعة الله. والذي خلق الله به السماوات والأرض: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) [87] (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ) [88] (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [89] . الحق الذي هو صفة كل شيء صدر عن إرادة الله، والذي ينبغي للبشر خلفائه في الأرض - أن يحكموا به كذلك: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ) [90] (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [91] . (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [92] (فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [93] .
وقد اقتضى الحق والعدل أن يتساوى الناس كلهم أمام القانون، لأن الناس كلهم متساوون في صدورهم عن إرادة الله، وصدورهم عن نفس واحدة خلقها الله، ومتساوون أخيرًا في مصيرهم إلى الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [94] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [95] (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) [96] "أنتم بنو آدم. وآدم من تراب" [97] .
من هذه المساواة المطلقة في المنشإ والمصير قامت المساواة كاملة في الإسلام أمام الشريعة. لا فرق بين سيد وعبد، ولا بين شريف وحقير.
يقول الرسول الكريم:"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. [98] فيضع بذلك حدًا للمظالم التي كانت قائمة في الأرض - والتي ظلت قائمة في غير الإسلام - بعد ذلك بألف عام! ويضع حدًا للخرافة البغيضة التي تفرق بين الناس في الخلقة، وتفرق بينهم بعد ذلك في الحقوق. ولم يكن ذلك القول خطبة حماسية جميلة لاسترضاء الشعوب، ولا مبدأ مثاليًا جميلًا معلقًا في الفضاء. وإنما كان حقيقة واقعة شهدها التطبيق العملي في حياة المسلمين. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه، أي يدعو الناس للقصاص منه إذا كان أحدهم يظن أنه قد ظلمه أو اعتدى عليه!! وكان عمر يجلد ابن عمر لأنه شرب الخمر، وهو ابنه وهو شريف من قريش!"
أما العبيد الأرقاء بالفعل، فقد عمل الإسلام على تحريرهم، وسلك إلى ذلك مسالك شتى. وإن كانت قد بقيت منه بقية في نطاق ضيق فذلك لأن الأمر كان يرتبط ارتباطًا أساسيًا بأسرى الحرب، والمعاملة فيهم بالمثل، وكان الرق هو مصير أسرى الحرب في معظم الأحوال [99] .
ولكن المهم - ونحن بصدد التطبيق القانوني - أن الإسلام - وهو يعترف بالرق كضرورة مؤقتة يعمل دائمًا على الخلاص منها - لم يبح"للسادة"أن يميزوا أنفسهم على عبيدهم، ولم يبح لهم التصرف"الحر"في هؤلاء العبيد:
"من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه" [100] .