الصفحة 60 من 80

ولم يكن ذلك أيضًا كلمة تقال في الهواء، ولا مبدًا مثاليًا معلقًا في الفضاء. وإنما كان حقيقة واقعة شهدها التطبيق العملي في حياة المسلمين. فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقصاص من رجل جبّ عبده. وقصة عمر مع الشريف الذي لطم عبدًا لأنه داس عفوًا على ذيله أثناء الطواف في الحج معروفة، فقد أصر عمر على القصاص .. على أن يلطم العبد ذلك الشريف .. وظل الشريف يرجو ويشفع وعمر يصر .. حتى فر الرجل أخيرًا وارتد عن الإسلام!

أما البلاد المفتوحة، فقصة القبطي الذي جاء يشكو ابن عمرو بن العاص لأنه ضرب ابنه بغير حق، فأمر عمر بأن يضرب القبطي ابنَ عمرو ويقتص منه .. هذه القصة وحدها تحمل الدليل!

تلك أولى مراحل العدالة في الإسلام! المساواة بين الناس كلهم أمام الشريعة ..

ولكنها درحة واحدة وبعدها درجات ..

فالإسلام لا يكتفي بأن تكون المعاملة للجميع واحدة .. ولكنه يعطي إلى جانب ذلك شريعة هي في ذاتها عادلة فلا يظلم ولا يحيف. فالشرع لا يعرف قول القائلين: المساواة في الظلم عدل! وإنما هو العدل، والمساواة في العدل!

وليس هنا مجال التفصيل في عدالة الشرع الإسلامي .. فقد عرضنا ذلك التفصيل في فصل"الجريمة والعقاب"في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"ولكنا نقول هنا - بغاية ما نستطيع من إيجاز - إن الشرع الإسلامي يبلغ قمة العدالة حين ينظر إلى الفرد والمجتمع في آن واحد، ليتأكد من أن كلًا منهما يأخذ حظه من الحقوق، ويؤدي نصيبه من الواجبات. وأن أيا منهما لا يظلم لحساب الآخر، أو يفتات على أخيه.

فبينما كانت القوانين في الدول القديمة - وما زالت في الدول الجماعية في الوقت الحاضر - تشتط في عقاب المجرم، لأنه وهو فرد ضائع لا كيان له، يعتدي على الكيان المقدس، كيان الجماعة؛ ويُتخذ ذلك ستارًا للتنكيل بكل فرد تحدثه نفسه بالخروج على السادة ذوي القداسة والسلطان ..

وبينما تبالغ الدول الغربية الرأسمالية في إباحة الحرية للفرد، على أساس أنه هو الكائن المقدس ولا قداسة للجماعة ولا كيان، وينشأ من ذلك تخفيف العقوبة على المجرم وتلمس الأعذار له .. نجد الإسلام يمسك الميزان من منتصفه، فلا يميل في جانب الفرد ولا جانب الجماعة، لأنه لا يراهما فردًا وجماعة منفصلين، ولا يعتبرهما معسكرين متقابلين تقوم بينهما العداوة والبغضاء، ويرغب كل منهما في تحطيم الآخر والقضاء عليه .. بل ينظر إلى الفرد والجماعة على أنهما كلٌّ متجاوب موحد الغاية متعاون في الأداء .. فإذا شذ فإنه يُقوَّمُ لكي يرد إلى السبيل؛ وسواء جاء الشذوذ من الفرد بمفرده أو جاء من الجماعة .. فكلاهما مخطئ وكلاهما ينبغي أن يرد إلى الصواب!

وهو إذ ينظر مرة بعين الجماعة، فيرى حقها في الطمأنينة على نفسها، والمحافظة على حقوقها، فيمنع العدوان عليها، ويعاقب المعتدين .. فإنه ينظر في ذات الوقت إلى الفرد، فيرى دوافعه إلى الجريمة، سواء كانت منبعثة من داخل النفس، من نزوة الغريزة، ودفعة الشهوات، أو من الظروف الخارجية، الاجتماعية والاقتصادية، فيقدر هذه الدوافع، وينظر إليها بعين الاعتبار .. ويعمل على إزالتها بكل طريقة ممكنة قبل أن يوقع العقوبة: بالتشريع الذي يكفل الضرورات مرة، والتشريع الذي يصون الحرمات مرة، والتربية التي تهذب النفس وتنظف مساربها، وتجعل روح الحب والتعاون والتكافل هي الروح السائدة في الجماعة .. أولًا وأخيرًا بالعقيدة التي تربط القلب بالله، وتوجهه لخشيته والعمل على رضاه .. فإذا عجز ولي الأمر عن إزالة الدوافع لأي سبب من الأسباب، أو ساورته في ذلك شبهة، فعند ذلك يدرأ الحدود بالشبهات!!

أي عدالة يمكن أن تبلغ هذه العدالة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت