الصفحة 61 من 80

"روي أن غلمانًا لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما ولى رده. ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له، لقطعت أيديهم. ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايمن والله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك! ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة"!

فهذه حادثة واضحة الدلالة على أن"المجرم"لا يؤخذ بذنبه حتى ينظر الحاكم أولًا في دوافع الجريمة، فيزنها بميزان الحق والعدل، ويبحث عن المسئول الحقيقي فيها، فيوقع العقوبة عليه. وقد كان المسئول في هذا الحادث هو"السيد"الذي يمثل الملاك! بينما أعفى"المجرم"من العقاب، لأنه اعتبره واقعًا تحت ضغط الضرورة التي تغلب الإنسان على نفسه وتدفعه إلى الانحراف. وهي كذلك تطبيق عملي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود بالشبهات.

وإن الدول"الحرة"التي تعطف اليوم على المجرم، وتتلمس له المعاذير، وتخف عنه العقوبة أو ترفعها عنه - بعد أن كانت تشتد عليه وتقسو - هذه الدول تصنع ذلك بروح أخرى غير روح الإسلام! فعلم النفس التحليلي، وغيره من الدراسات النفسية والاجتماعية، يبرر الجريمة اليوم على أساس سلبية الإنسان إزاء الدوافع الداخلية أو الخارجية، وانعدام"الإرادة"التي تقوم عليها"المسئولية". ولكن الإسلام لا يهبط إلى هذا المستوى في نظرته إلى الإنسان. إنه لا يلغي كيانه الإيجابي الفاعل المريد. ولا يسقط عنه مسئوليته كإنسان. وإنما هو - مع ذلك - يعطف عليه في لحظة الضعف، ويدرأ عنه الحدود بالشبهات .. فهو في الواقع عطف مضاعف - بالنسبة للمستوى الرفيع الذي يطالب به الإنسان - وهو عطف أكرم ولا شك من ذلك الذي تمارسه الدول"الحرة"على كائن لا إرادة له في نظرها ولا كيان!

أما الدول الجماعية التي تكفل للناس حاجاتهم، وتجعل الدولة مسئولة عنها، وتغني الناس - فيما تقول - عن الجريمة، فإنها تأخذ ثمن ذلك دكتاتورية بشعة، وتحكمًا في كل صغيرة وكبيرة، واستعبادًا للدولة. بينما كان عمر - الذي طبق هذا المبدأ، مبدأ مسئولية الجماعة ومسئولية الدولة عن حاجة الأفراد [101] - هو الذي يقول:"إن أحسنت فأعينوني، وإن وجدتم في اعوجاجًا لقومناه بحد السيف!"فلا يغضب، بل يقول في هدوء وطمأنينة:

"الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه!".

الشريعة عادلة في ذاتها، ومطبقة بالمساواة على الجميع.

ولكن هذا وذاك لا يستنفدان كل معاني العدالة في شريعة الإسلام.

ما زالت هناك"الضمانات"المختلفة للفرد الذي يوجه له الاتهام: ضمانة الصدق في الاتهام ذاته. وضمانة حسن التحري. وضمانة التحقيق وضمانة التنفيذ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [102] .

فهذه الضمانة الأولى .. لا يؤخذ أحد بالظنة. ولا بد أن يوزن الاتهام ذاته ليرى مبلغه من الصدق ومبلغه من الجد، فللناس حرماتهم المصونة وكراماتهم التي لا يجوز أن تمس .. إلا بالحق.

(وَلا تَجَسَّسُوا) [103]

فهذه هي الضمانة الثانية .. لا تكون الجاسوسية من وسائل الإثبات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت