وقد روي أن عمر مر ببيت رابته منه أصوات .. فتسور الجدار فوجد قومًا يشربون ويغنون فأراد أن يعاقبهم .. فقام له صاحب االدار فقال عمر: وما ذاك؟ قال: إن الله تعالى يقول: (وَلا تَجَسَّسُوا) وأنت تجسست علينا. ويقول: (وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وأنت تسورت علينا! فلم يجد عمر أمامه إلا أن يستتيبه!
ثم ضمانات التحقيق .. وهنا يرتفع الإسلام إلى القمة التي لم تبلغها الإنسانية في غير الإسلام إلا منذ فترة قريبة، وبدافع الصراع الدموي الطويل الذي فصلناه من قبل، لا بدافع الإنسانية الطليقة التي تكرم"الإنسان"حتى في لحظة الهبوط!
إن المحقق ليست مهمته الإيقاع بالمجرم وتضييق الخناق عليه في التحقيق! ولا يجوز له أن يستخدم وسيلة من وسائل الإرهاب تنتهي بالاعتراف.
جاء في سنن أبي داود (ج 4 ص 191) :"حدثنا عبد الوهاب بن بجدة .. أن قومًا من الكلاعيين سرق لهم متاع. فاتهموا أناسًا من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فحبسهم أيامًا ثم خلى سبيلهم. فأتوا النعمان فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال النعمان: ما شئتم! إن شئتم أن أضربهم .. فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم! فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم" [104] .
أما الذي يعترف بنفسه .. فالقمة التي وصل إليها الإسلام بشأنه عجب عاجب في التاريخ!
"حدثنا موسى بن إسماعيل .. أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما إخالك سرقت؟!"قال: بلى! فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، ثم أمر فأقيم عليه الحد" [105] .
أما قصة ماعز بن مالك الذي اعترف على نفسه بالزنا فهي قصة مشهورة. فقد ظل يجيء إلى الرسول مرة بعد مرة يعترف لديه والرسول صلى الله عليه وسلم يرده، حتى اعترف أربع مرات، فعاد الرسول يسأله ويستوضحه وينفي له التهمة أو يفتح له طريق الخلاص! فيقول له:"لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت".
وماعز يصر ويقول لا! فقال له:"أزنيت؟"قال: نعم! قال:"فهل تدري ما الزنا؟" [106] . فما أقام عليه الحد حتى اطمأن اطمئنانًا كاملًا أنه يصر على الاعتراف ولا يريد أن يدرأ عن نفسه العذاب!
فإذا كان هذا هو جو التحقيق فلا مجال بطبيعة الحال لشيء من الوسائل البشعة التي تتخذ في غير الإسلام.
أما التنفيذ بعد كل هذه الضمانات .. التنفيذ في مجرم تثبت عليه التهمة من غير إكراه، ووقعت عليه عقوبة في ذاتها عادلة، ووقعت لأنه لا شبهة في الجريمة تدفع عنه الحد .. التنفيذ بعد ذلك كله يحمل ضماناته!
حدثنا أبو كامل .. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" [107] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تعذبوا بعذاب الله" [108] (أي النار) .
وقال صلى الله عليه وسلم:"فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" [109] .
ولكن هذا ليس كل ما هناك ...
لقد بلغنا العدالة ولم نبلغ بعد قمة الإسلام!
إن المجرم إذا وقعت عليه العقوبة بعد هذا الاحتياط كله .. المجرم الذي لا شبهة في جريمته .. المجرم الذي لا عذر له في ارتكابها .. وإنما هي نزوة من نزوات النفس الشريرة، ودفعة من دفعات الهبوط ..
ذلك المجرم لم يخرج بعد من دائرة الإنسانية، بل لم يخرج من دائرة الجماعة الإسلامية! إنه لا ينبذ ولا يضطهد .. ولا يعيّر بجريمته .. ولا يذّكر بها .. ولا يحول شيء قط بينه وبين أن يعود إلى الجماعة - في لحظته - تائبًا منيبًا إلى الله، فيقبل فيها وتفتح له القلوب.