الصفحة 63 من 80

"حدثنا قتيبة بن سعيد .. عن أبي هريرة أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - أتى برجل قد شرب، فقال:"اضربوه". قال أبو هريرة، فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقولوا هكذا. لا تعينوا عليه الشيطان" [110] ."

وفي حادث السارق الذي مر ذكره، والذي أمر الرسول بإقامة الحد عليه، قال له الرسول:"استغفر الله وتب إليه"فقال: استغفر الله وأتوب إليه، فقال:"اللهم تب عليه اللهم تب عليه"ثلاث مرات [111] .

نعم إن الإسلام لا يحب أن يفقد نفسًا واحدة يمكن أن تتوب إلى الله وتهتدي إليه. إنه لا يصر على لحظة الضعف التي تصيب فردًا من البشر، ولا يُعنِتُهُ من أجلها. وإنما يفتح له بابه لكي يعود .. يعود إلى الله ويعود إلى الجماعة، فينطلق فيما هي منطلقة من الخير، ويأخذ لنفسه من ذلك الخير بنصيب. ولا تقف الجريمة العابرة حاجزًا في حياته، ولا تسمم أحاسيسه وأفكاره، ولا توصد أمامه الأبواب فيصبح مجرمًا مصرًا على الإجرام بعد أن كان مجرمًا بغير قصد. وذلك معنى قول الرسول الكريم:"لا تعينوا عليه الشيطان".

ومع ذلك فإن تكريم الرسول الكريم للبشرية .."للإنسان"الذي خلقه الله في أحسن تقويم .. حتى وهو يرتد في لحظة لأسفل سافلين .. تكريمه له ما دام لا يصر على الإثم ولا يمرد عليه، ولا يقف عند الأحياء الذين يرجوهم للجماعة، ويستبقيهم لخير يمكن أن يصنعوه في الأرض، أو ليتقي شراًّ يمكن أن يصدر عنهم - أي لأهداف"عملية"واقعية! - وإنما يتجاوز ذلك إلى آفاق أخرى، رفافة شفيفة، نسيجها الرحمة الخالصة، والتكريم الخالص .. لوجه الله!

جاء في قصة ماعز بن مالك:".. فأمر به فرجم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب. فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه، فقال:"أين فلان وفلان؟"فقالا: نحن ذان يا رسول الله. قال:"انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار". فقالا: يا نبي الله، من يأكل من هذا؟ قال:"فما نلتما من عرض أخيكما آنفًا أشد من أكلٍ منه. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها"."

يا الله .. ويا نبي الله.

ألا إنها آفاق ما بعدها آفاق .. ألا إنه النور الذي يشع من هذا القلب الكوني الذي يتصل بالله، ثم يفيض بالرحمة والهدى على عباد الله ..

وذلك كله قبل أن يقول قولته علم الاجتماع وعلم الاقتصاد، وعلم النفس التحليلي وعلم الجريمة، قبل أن يتفلسف المتفلسفون في هذا الميدان بأكثر من ألف عام.

[85] رواه عبد الله بن عباس (ورد في كتاب الكامل لابن عدي وفي مسند أبي حنيفة للحارثي) .

[86] ذكره صاحب مصابيح السنة في الصحاح.

[87] سورة الزمر [5] .

[88] سورة آل عمران [191] .

[89] سورة المؤمنون [115 - 116] .

[90] سورة النحل [90] .

[91] سورة النساء [58] .

[92] سورة المائدة [8] .

[93] سورة الأنعام [152] .

[94] سورة النساء [1] .

[95] سورة الحجرات [13] .

[96] سورة يس [32] .

[97] مسلم وأبو داود.

[98] رواه الستة.

[99] انظر بالتفصيل فصل"الإسلام والرق"في كتاب"شبهات حول الإسلام".

[100] الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت