الصفحة 67 من 80

وقد يتبجح كاتب أو صاحب صحيفة يبرر الجريمة لنفسه، أو يبررها للناس .. يقول: ماذا أصنع؟ لقد تسمم الجو كله وصار القراء لا يقبلون على الأدب"الأبيض"والكلام النظيف. لقد تعودوا على الصحف العارية والقصص العارية، والأفكار العارية. ولم يعد يؤثر فيهم غير هذا اللون من الإنتاج. هب أنني أصدرت صحيفة نظيفة فكيف تعيش؟ من يقرؤها؟ كيف تغطى نفقاتها؟ ألا يكون ذلك انتحارًا؟ أو غفلة؟ أو جنونًا لا يقدم عليه عاقل؟ وماذا يصنع كاتب واحد أو صحيفة واحدة في التيار المسموم؟ هل يصنع إلا أن يفشل ويثير بفشله شماتة الشامتين؟!

وقد يكون هذا حقًا!

ولكنه لم يكن كذلك حين خرج أول كاتب يدعو إلى الفاحشة وتركه الناس. يوم هزوا أكتافهم وقالوا: هل نحن به مكلفون؟

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد .. يوم يصبح الكاتب النظيف لا يجد الجمهور الذي يقرؤه أو الصحيفة التي تنشر له .. يوم لا تستطيع الصحيفة النظيفة أن تعيش .. يومئذ تكون السفينة قد أثقلت بما فيها من الماء، واضطربت مما فيها من الخروق .. وتتحقق سنة الله في الأرض، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

ويقوم والد ضعيف الشخصية تحكمه امرأته، أو يحكمه الترف والاسترخاء .. يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، يقول: هم أولادي وأنا حر فيهم! أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس .. يتركونه تملقًا، أو يتركونه استخفافًا، يقولون: هو في النهاية الخاسر، وما لنا عليه من سبيل.

ويستمتع الأولاد .. يستمتعون بالتحلل من الضوابط والانفلات من القيود.

ويستمتعون بلذة الهبوط!

وهي لا شك متعة للمزاج المنحرف والكيان المقلوب! فمن الثابت أن الكيان الناقص - حين لا يكمّل بالطريق الصالح، ولا يوجه التوجيه السليم - يجنح إلى التكملة من طريق هابط، ويحس"بالنضوج""والتميز""والمتعة"من هذا الطريق!

وهذه المتعة تغري غيرهم من الأولاد فينجرفون في الطريق .. يجدون اللذة المنشودة، والنضوج المنحرف، والتميز بين الأقران .. ويروحون يتمردون على أهليهم وينفلتون من القيود.

ويقول الولد لأبيه: أنت رجعي. أنت متأخر. أنت تتجاوز حدودك. من تظنني أمامك. لست طفلًا. أنا رجل مثلك. أنا أتحمل مسئولية نفسي. تريد أن تستعبدني بما تنفق عليَّ؟ كلا! إنك ملزم بالإنفاق. ولكنك لا تملك التدخل في شئوني. أنا أدرى بما يضر وما ينفع. أنا أعيش بعقلية جديدة متحررة متطورة. أنا أفهم ما يدور في المجتمع وأتطلع إلى المستقبل .. إلى الأمام .. فليس لك عليَّ سلطان!

وتقول الفتاة لأبيها وأمها: أين تعيشون! إنكم تعيشون بعقلية الجيل الغابر .. المتأخر .. الرجعي .. أما أنا فأعيش بعقلية متحررة. ماذا تريدون مني؟ هل تظنون أنكم أنتم الرقباء عليَّ إن أردت أن أفسد؟ وأن وصايتكم عليَّ تحميني من السقوط؟ أنا القيّم على نفسي. وأنا الرقيبة على أخلاقي! وليست الأخلاق هي الملابس أو هي العزلة عن المجتمع! ما الذي سيحدث حين أكشف ذراعيّ أو ساقيّ؟ أو أكشف جزءًا من صدري؟ هل ستنقص مني قطعة؟ وماذا سيصنع لي الشبان حين ينظرون إليَّ أو يكلمونني في الطريق؟ هل ستخرب الأرض؟ إنكم تتصورون الأمور بعقلية جامدة لا تفهم"التطور"ولا تفهم الحياة! وعلى أي حال فذلك شأني وحدي. وليس لأحد عليَّ سلطان!

ويشكو الآباء! يشكون أن أبناءهم تمردوا عليهم، ولم يعد في مقدورهم أن يردوهم إلى السبيل! ويقولون إن المجتمع فاسد يفسد عليهم الأولاد!

وقد يكون ذلك حقًا!

ولكنه لم يكن كذلك يوم فسد أول جيل من الأبناء فتركوهم يفسدون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت