الصفحة 68 من 80

وحين يحدث ذلك .. حين ينفلت الأولاد بلا ضابط، لا يحكمهم أهلوهم، ولا يحكمهم مدرسوهم في المدرسة، لأن الوالد قد أفسد على المدرس مهمة التوجيه .. حينذاك تتحقق السنة الماضية، وتغرق السفينة وكلها خروق!

ويقوم طالب يغش في الامتحان، يقول: أصنع ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس.

يتركونه"إشفاقًا على مستقبله"! أو يتركونه استخفافًا بالجريمة.

وينجح الطالب، ويستمتع بهذا النجاح الميسر البسيط التكاليف ..

ويغري النجاح غيره .. فيروحون يعبثون العام كله، يتسكعون في الطرقات، ويجرون كالكلاب الشاردة وراء الفتيات .. ثم يسهرون الأسبوع الأخير يحضِّرون"البرشام"من أجل الامتحان.

ويحس الآخرون من الشرفاء أنهم مظلومون! هم يسهرون العام كله في العمل، ثم لا يبلغون - بالجد والأمانة - ما يبلغه الغشاش بغشه، وقد ينجح وهم يرسبون! وقد يصل إلى"الوظيفة"وهم قاعدون!

لا جرم ينصرف أغلبهم عن النشاط العلمي الصادق، وينقلبون إلى مخادعين غشاشين!

ولا جرم تجد بعد ذلك الموظف الذي يذهب في الموعد وينصرف في الموعد - إن شدد عليه في الحضور والانصراف - ولا يعمل عملا طيلة وقت"الديوان"!

ولا جرم تجد المهندس الذي لا يوافق على"مواصفات"البناء أو"المواصفات الصحية"وأنت تؤديها على وجهها الأكمل، ثم يوافق على أقل منها كثيرًا إن دسست في يده"المعلوم"!

ولا جرم تجد الطبيب الذي لا يعطيك العلاج الكامل الذي يشفيك من أول مرة، ويروح يطيل العلاج ويطلبك تمر عليه مرة بعد مرة ليزداد منك كسبًا، وتكسب معه معامل الأدوية التي"يتعامل"معها أو يكسب الموردون!

كلهم غشاشون!

كلهم ذلك الطالب الأول الذي تركه الناس غافلين.

وحين يصبح الغش هو"العملة"السارية في المجتمع، فلا جرم يذهب المجتمع أسفل سافلين!

ويقوم موظف يرتشي .. يقول: من يحرِّج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس!

يتركونه بدافع الحاجة إلى ما في يده من المصالح، أو بدافع الخوف إن كان من ذوي النفوذ.

ويستفيد ذلك المرتشي .. يستفيد ثروة سهلة المأخذ مضمونة الورود.

ويغري الثراء غيره من الموظفين، فيندفعون في تيار الشهوة ينهلون من هذا المنهل الدنس، ويلغون في دماء المحتاجين.

وتأخذ الموجة مداها .. حتى تصبح الأمور كلها بالرشوة، ومن غيرها توصد الأبواب في وجه أصحاب الحقوق.

وقد يتبجح موظف يبرر الجريمة لنفسه أو يبررها للناس، يقول: هل أنا وحدي الذي أرتشي؟ هل أنا وحدي الذي أشيع الفساد .. فهل تنتظم مصالح الناس كلها، وتفتح لهم الأبواب؟ كل ما يحدث أنني أحرم نفسي من المعين المتاح، وأظل فقيرًا وأنا رب أسرة وصاحب عيال.

وقد يكون هذا حقًا ..

ولكنه لم يكن كذلك حين بدأت الرشوة أول مرة وسكت عنها الناس، أو شجعوها وأغروا بها المرتشين.

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد .. حين تصبح الرشوة هي الأصل والنظافة هي الشذوذ .. حينذاك تقع الهزة التي تزلزل المجتمع كله من القواعد، فلا يلبث أن يتهاوى إلى القرار ..

صدق رسول الله. وصدقت حكمته:

ما أسكر كثيره فقليله حرام ..

مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعو فلا أجيب ..

إن حديث السفينة يجمع ما في الحديثين السابقين، ولكنه يضيف إليهما معاني أخرى جديرة بالتدبر والتفكير ..

وإن أول ما يستلفت النظر في الحديث أن الرسول الكريم لم يقسّم ركاب السفينة بحسب أماكنهم الظاهرية في المجتمع، علوًا وسفلا، وثراء وفقرًا، وبروزًا وتواضعًا .. لم يجعل"السادة"هم الأعلون و"الشعب"هو الأسفل. كلا. فما كانت هذه القيم هي التي تقسم الناس عند رسول ينطق بحكمة الله ويبلغ رسالة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت