فهرس الكتاب
وفي تفسير: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعرف ابن القيم خلق الرضى بالقضاء والقدرة فيقول: إن بدايته كسبي باعتبار سببه ونهايته قدري وهي باعتبار حقيقته. ومن هنا يتبين أثر الأخذ بسبب الأخلاق الطيبة في ثباتها وبقائها مع صاحبها الذي أخذ بسببها.
ومن سنن النفس البشرية سنة الارتباكط الأخلاقي فيها وينقسم الارتباط إلى نوعين:
الأول: ارتباط مجموعة من الأخلاق بأل واحد من أصول الجبلة البشرية.
وفيه يقول ابن القيم: أصل الاخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها: الخشوع وعلو الهمة فالفخر والبطر، والأشر والعجب والحسد والبغي والخيلاء والظلم واقسوة والتجبر والإعراض واباء قبول النصيحة، والاستئثار وطلبب العلو، والرئاسة، وأن يحمد بما لم يفعل وامثال ذلك كلها ناشئة من الكبر، وأما الكذب والخسة والخيانة الرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل، والذل لغير الله، واستبدال الذي هو أدني بالذي هو خير، ونحو ذلك فإنها من المهانة والدناءة وصغر النفس، وأما الاخلاق الفاضلة: كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة والصيانة، والجود والحلم، والعفو والصفح والاحتمال والايثار وعزة النفس عن الدناءات والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق، و الاحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس وترك الاشتغال بما لايعنيه وسلامة القلب من تلك الاخلاق المذمومة ونحو ذلك فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة، والمقتضي التربوي لهذه الحقيقة هو التركيز على مقاومة أصول الاخلاق الذميمة وتنمية أصول الاخلاق الحميدة.
والنوع الثاني: ارتباط خلق بخلق اخر مثل الجبن والبخل والارتباط بين الشجاعة والكرم حيث أن مرد كل خلقين منهما إلى أصل واحد فيعد كل خلق دليلا على الاخر، فيتم التقييم على أساس أنه غالبا ما يكون كل بخيل جبان وكل كريم شجاعا وناخذ من البخل دليلا على الجبن قبل أن ينشأ الموقف الذي يظهر هذا الجبن ونأخذ من الكرم دليلا على الشجاعة قبل أن ينشأ الموقف الذي يظهر هذه الشجاعة وهكذا نتصور الناس ونضعها في موضعها الصحيح.
ومن سنن النفس البشرية والفترة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شئ شره وفترة [1] والشرة والفترة هي الحماس والخمول. وتقلب النفس بين هاتين الحالتين سنة سنة قدرية، والتعامل مع النفس بهذا الاعتبار يعني، منهجيا محاولة الوصول بها تربويا إلى مرحلة التوازن، ومن هنا كان التوجية النبوي، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الأعمال إلى الله أدومها وان قل [2] وقوله: ان المنبت لا أرضا قطع ولاظهر أبقى. والتحذير من الحماس الزائد باعتباره ظاهرة غير صحيحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن لكل شئ شره ولكل شرة فترة فإن صاحبها سدد وقارب فارجو وان اشير اليه بالأصبع فلا تعدوه [3] وكذلك التحذير من الفتور والتأخر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولايزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله [4] وقوله: بادروا الأعمال [5] .
(1) أخرجه الترمذي في صفة القيامة رقم 2453 من حديث أبي هريرة وسنده حسن لأن فيه ابن عجلان وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه
(2) متفق عليه: البخاري في الأيمان باب أحب الدين أدومه، ومسلم في الصلاة رقم 782 من حديث عائشة.
(3) سبق تخريجه قريبا.
(4) أخرجه أبو داود في الصلاة 679 وفي سنده اضطرب وله شاهد في مسلم وهذا الحديث ورد في التأخير عن الصف الأول تأخيرا مطلقا 0
(5) قطعة من بضعة أحاديث يصحح بعضها منها عند الترمذي 2307 في الزهد والنسائي (4/ 4) في الجنائر وغيرهم من حديث أبي هريرة 0